رسالة " في آداب وأحكام وقضايا الجهاد " موجهة للمجاهدين في بلاد لشام.

د. أحمد بن فارس السلوم
الثلاثاء 01 ذو الحجة 1436هـ - 15 سبتمبر 2015مـ  12:44

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإنه مما منّ الله عز وجل به على المسلمين عامة وعلى أهل الشام خاصة أن فتح لهم بابَ الجهاد في أرضهم المباركة، فهب الناس لنصرة الله ورسوله، ولتلبية ندائه، فجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم، طمعاً في إنفاذ البيع مع الرب الجليل سبحانه وتعالى لما قال: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم).

 

ولما رأيت هذه السوق رائجة في بلاد الشام، ورأيت أهلها يبتدرون البيع مع الله عز وجل، ورأيت حاجتهم إلى من يصحح لهم هذا البيع، ومن يبين لهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، كتبت هذه الرسالة للمجاهدين عامة، ولأهل الشام خاصة، وسميتها: تصحيح الجهاد.

 

أقصد من ورائها تعليم المجاهدين كيف يقضون شهداء، وكيف يكون قتالهم جهاداً في سبيل الله عز وجل، فذكرت فيها آداب الجهاد وسننه وأحكامه، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الغزو، وما يمت إلى هذه المسائل وما يشابهها، مما يحتاجه أهل الشام.

وقد بنيت ذلك كله على الاختصار، وإلا فإن في الجهاد كتبا على حيالها.

أسأل المولى القدير أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يقبضنا متبعين للسنة، مجانبين للبدعة، مجاهدين في سبيله، غير ناكثين ولا مبدلين.

 

وهذه مقدمة في فضل الجهاد:

 

-الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال بعد الإيمان، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإيمان أفضل؟ قال: إيمان بالله عز وجل فسئل ثم ماذا قال ثم الجهاد في سبيل الله عز وجل قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور، رواه مسلم.

 

وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله، متفق عليه.

 

 -والجهاد أفضل عند الله عز وجل من عمارة المسجد الحرام، ومن سقي الحجاج.

 

فعن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول  الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلاّ أن أسقي الحاج، وقال الآخر: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله عز وجل أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلتُ فاستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين).

 

-والجهاد يجعل من صاحبه خير الناس، فعن أبي سعيد قال:  جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره، متفق عليه.

 

 -والجهاد يرفع العبد المؤمن على عامة المؤمنين مائة درجة، ما بين كل درجة ودرجة ما بين السماء والأرض، قال سبحانه وتعالى: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما).

 

وقد فسر ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا سعيد من رضي بالله ربا وبالاسلام ديناً وبمحمد نبياً وجبت له الجنة، فعجب لها أبو سعيد، قال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله عز وجل، رواه مسلم.

 

وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن عز وجل، رواه البخاري.

 

فيا واسع العطاء يا كثير الجود ارزقنا هذه الدرجات، بمنك وكرمك يا رب البريات.

 

-والجهاد باب موصلٌ للرزق وللجنة، قال صلى الله عليه وسلم: وجعل رزقي تحت ظل رمحي، فخير الرزق هو هذا الرزق الذي اختاره الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم.

 

وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  إنّ أبواب الجنة تحت ظلال السيوف.

 

فقام رجل من القوم رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى أنت سمعت هذا مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه الى العدو فقاتل حتى قُتل.

 

فواعجبا من الجهاد فيه رزق الدنيا والآخرة، فمن عاش بعده عاش سعيداً، ومن مات مات شهيداً.

 

-والجهاد ذروة سنام الإسلام، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تحدثني بعمل أدخل به الجنة، قال: إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، أما رأس الأمر فالإسلام وأما عموده فالصلاة وأما ذروة سنامه فالجهاد، صححه الترمذي والحاكم وغيرهما.

 

والسَّنام ما ارتفع من ظهر الجمل، وذُروته أعلاه، أي أن الجهاد هو للدين بمنزلة ذروة السنام للجمل في العلو والارتفاع.

 

-هذا، وخير الجهاد جهادٌ حين يتخلى الناس عن الجهاد، ويركنون إلى الدنيا، ويقولون لا جهاد، كما في جهاد أهل الشام الآن، فقد قعد الناس عنهم، وتخلفوا عن نصرتهم.

 

عن سلمة بن نفيل الكندي رضي الله عنه:قال: كنتُ جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللّه، أَذال الناسُ الخْيلَ، ووضَعوا السلاح، قالوا: لا جهادَ، قد وضَعَتِ الحربُ أوْزارَها، فأَقْبلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، وقال: «كذَبوا، الآنَ جاءَ القتالُ، ولا تزالُ من أُمَّتي أُمَّةٌ يقاتلون على الحق، ويُزيغُ الله لهم قلوب أقوام ويرزُقُهم منهم، حتى تقوم الساَّعةُ، وحتى يأْتِىَ وعدُ اللهِ، الخْيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، وهو يُوحى إليَ: إني مقبوضٌ غيرُ مُلَبَّث، وأَنتم تتَّبِعوني، أَلاَ فلا يضربْ بعضُكم رِقَابَ بعضٍ، وعُقْرُ دارِ المؤمنين الشامُ». أخرجه النسائي، بإسناد جيد.

 

-فعلى من عرف هذه الفضائل المجتمعة في الجهاد ألا يرغب عنه، ولا يزهد فيه، كيف وقد عتب الله عز وجل على عباده المؤمنين الذين عرفوا فضل الجهاد ثم لم يجاهدوا.

 

فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا بيننا فقلنا: أيكم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله أي الاعمال أحب إلى الله عز وجل، قال: فهبنا أن يقوم منا أحد، قال: فأرسل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً حتى جمعنا، فجعل يشير بعضنا إلى بعض، فقرأ علينا (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين امنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ا لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصو، وقرأ السورة إلى آخرها). 

 

وهذا أوان الشروع في بيان الموضوع والله الموفق.

 

 

 

 

-الجهاد هو بذل الجهد في مقارعة الكافرين، ويكون بالمال والنفس واللسان، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه المشهور: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.

 

-الجهاد اليوم واجب في بلاد الشام على كل مستطيع، وحالته هذه حالة وجوب العين.

 

 فقد دهم العدو بلاد المسلمين، وصال عليهم، واستباح دماءهم، واستنصرنا المسلمون هناك واستنفرونا، فعلى المسلمين أن يلبوا النصرة، ويحققوا النفرة.

 

قال تعالى: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).

 

وقال: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)

 

وقال صلى الله عليه وسلم: وإذا استنفرتم فانفروا.

 

وقال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم).

 

وقال: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار).

 

ويجب على العلماء تحريض المسلمين على هذا الجهاد وتبيين أمره لهم، كما قال تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تنكيلا).

 

وقال في آية الأنفال: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال).

 

قال ابن كثير: يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه، ولهذا قال (لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ)... وقوله: (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) أي على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه، كما قال لهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهو يسوي الصفوف: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك... وقوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) أي هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) الآية أهـ.

 

فلينظر المسلم المحتاط لدينه في هذا الجهاد، وليأخذ منه بنصيب، وليختر لنفسه الباب الذي هو فيه أنفع، فمن استطاع أن يجاهد بنفسه فليفعل، ومن كان قادراً على الجهاد بنصرتهم بمال أو اللسان فليفعل، وكل على ثغر، ولكن لا يقعد مع الخالفين.

 

قال ابن كثير: وعن أبي طلحة: كهولاً وشباباً ما سمع الله عذر أحد، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل، وفي رواية قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية (انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخاً وشباناً جهزوني يا بني, فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها، وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح والحسن البصري وسهيل بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم أنهم قالوا في تفسير هذه الآية {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} كهولاً وشباناً وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن حيان وغير واحد أهـ.

 

وأخرج ابن جرير والحافظ المستغفري في فضائل القرآن عن أبي راشد الحبراني قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فصل عنها من عظمه، يعني أنه كان ضخما كبيرا، يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أتت علينا سورة البعوث {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}.

 

وأخرج ابن جرير: عن حيان بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان والياً على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة، فرأيت شيخاً كبيراً همّاً قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم، لقد أعذر الله إليك، قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إنه من يحبه الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله عز وجل.

 

ولعمري لقد ذكرني هذا بشيخ الشهداء في حلب أبي الطيب البابي رحمه الله، فإنه ما ترك الجهاد مع كبر سنه، وضعف جسده، حتى استشهد مقبلا غير مدبر، فالحمد الله الذي جعل بيننا وفينا من يشبه حال سلفنا الأولين.

 

وأما من حبسه العذر عن الجهاد فلا حرج عليه كما قال تعالى ( ليس على الأعمى حرج)، وقال: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}.

 

ولكن لينو الجهاد والخير، كما سيأتي.

 

وقد قال صلى الله عليه وسلم في بعض غزاته: إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه حبسهم العذر.

 

-أشد الناس وجوبا عليهم الجهاد في هذه المرحلة هم الجنود الذي كان يأخذون راتباً على جنديتهم، فيجب عليهم أن ينشقوا عن جيش النظام، ويلتحقوا بالمجاهدين.

 

فإنّ الرزق الذي كانوا يأخذونه إنما هو لأجل الدفاع عن المسلمين، فيجب عليهم أن يوفوا بما التزموا، ولذلك من انشق منهم ولحق بالمسلمين لا يسعه القعود عن القتال أو الانحياز إلى شيء من الأمصار المجاورة.

 

قال ابن تيمية رحمه الله: الجهاد واجب على المسلمين عموما على الكفاية منهم؛ وقد يجب أحيانا على أعيانهم؛ لكن وجوبه على المرتزقة – أي المجندين براتب- الذين يعطون مال الفيء لأجل الجهاد أوكد؛ بل هو واجب عليهم عينا؛ واجب بالشرع وواجب بالعقد الذي دخلوا فيه لما عقدوا مع ولاة الأمر عقد الطاعة في الجهاد وواجب بالعوض، فإنه لو لم يكن واجبا لا بشرع ولا ببيعة إمام لوجب بالمعاوضة عليه كما يجب العمل على الأجير الذي قبض الأجرة ويجب تسليم المبيع على من قبض الثمن وهذا وجوب بعقد المعاوضة وبقبض العوض كما أن الأول وجوب بالشرع وبمجرد مبايعة الإمام وهو واجب أيضا من جهة ما في تركه من تغرير المسلمين والضرر اللاحق لهم بتركه وجوب الضمان للمضمون له، فإن المرتزقة ضمنوا للمسلمين بالارتزاق الدفع عنهم فاطمأن الناس إلى ذلك واكتفوا بهم وأعرضوا عن الدفع بأنفسهم، أعظم مما يطمئن الموكل والمضارب إلى وكيله وعامله فإذا فرط بعضهم وضيع كان ذلك من أعظم الضرر على المسلمين؛ فإنهم أدخلوا الضرر العظيم على المسلمين في دينهم ودنياهم بما تركوه من القتال عن المسلمين الواجب عليهم حتى لحق المسلمين من الضرر في دينهم ودنياهم في الأنفس والذرية والأموال ما لا يقدر قدره أحد، فظلم المقاتلة بترك الجهاد عن المسلمين من أعظم ظلم يكون..

 

-على المسلم أن يحدث نفسه بالغزو، وأن يهم بالجهاد، فإن لم يفعل فهو على خطر النفاق، والعياذ بالله.

 

قال صلى الله عليه وسلم: من مات ولم يغزُ، ولم يُحدِّثْ به نَفْسَهُ، مات على شُعْبَة من النفاق، رواه مسلم.

 

وعن أبي أمامة أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يَغْزُ، ولم يُجَهِّزْ غَازِيا، أَو يُخَلِّفْ غَازيا في أهله بِخَيْرٍ، أَصابه اللَّهُ بِقَارِعَةٍ»، رواه أبو داود بإسناد حسن.

 

-على المجاهد أن يتعاهد نيته، فالنية تصحح الأعمال أو تفسدها، فلتكن نيتك هي الانتصار لله ولرسوله، ولإقامة شرعه في الأرض، يجمع ذلك كله: رفع كلمة الله في الأرض.

 

فقد سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الرَّجُلِ: يُقاتِلُ شَجاعَة، ويُقاتِلُ حَمِيَّة، ويقاتِلُ رياء: أيُّ ذلك في سَبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «من قَاتلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيَّا»، متفق عليه.

 

وفي رواية: الرجلُ يُقاتِلُ للذِّكْرِ، ويقاتل ليُحمْد، ويقاتِل لِيَغنْمَ، ويقاتل لِيُرَى مَكانُهُ، فَمنْ في سبيل الله؟ قال: «من قاتلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا فهو في سبيل الله».

 

وخطر النية عظيم، فكم من قتيل أردته نيته قبل أن ترديه منيّته.

 

قال صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ غَزَا في سَبيل الله، وَلم ينْوِ إلاّ عِقَالاَ، فَله ما نَوى»، رواه النسائي.

 

وقد ثبت أنّ أول من تسعر به النار رجل كان يُظن أنه شهيد، ففي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: « إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأنْ يقال جرىء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار.

 

وعن عتبة بن عبد السلمي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القتلى ثلاثة رجال، رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله عز وجل، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، ذلك الشهيد الممتحن في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة.

 

ورجل مؤمن فرق على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقى العدو قاتل حتى يقتل، فتلك مضمضة مجت ذنوبه وخطاياه، إنّ السيف محاء للخطايا، وأُدخل من أي أبواب الجنة شاء فإن لها ثمانية أبواب ولجهنم سبعة أبواب وبعضها أسفل من بعض، ورجل منافق جاهد بنفسه وماله في سبيل الله عز وجل حتى إذا لقى العدو قاتل حتى يقتل فذلك في النار إن السيف لا يمحق النفاق، رواه أحمد بإسناد جيد.

 

-ويلزمك مع طول الوقت أن تجدد نيتك كي لا يغلبك الشيطان، ويصرفك ذات اليمين وذات الشمال، فاجعل خروجك كله في سبيل الله، ونصرة لدين الله، وابتغاء لمرضاة الله، واستذكر هذا الأمر وجدده في كل حين.

 

فالأجر والفضل منوط كله بمن كان خروجه لأجل الله، وفي سبيل الله.

 

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تضمن الله عز وجل لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسولي فهو عليّ ضامن أن أُدخله الجنة أو أُرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كَلْم يُكلم –أي جرح يجرح- في سبيل الله إلا  جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون الدم وريحه ريح المسك، والذي نفسي بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أنْ اغزو في سبيل الله فأقتل ثم اغزو فأقتل ثم اغزو فأقتل، متفق عليه.

 

-وباستحضار هذه النية تكون أعمالك وسائر أوقاتك في سبيل الله، وتكون رقدتك جهاد، وفزعتك جهاد، ولقمتك جهاد، وخطواتك كلها جهاد.

 

وتكون الساعة من قيامك وقعودك في الجهاد خيرا من سنوات كثيرة فيما سواه من الأعمال الصالحات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمران بن حصين: مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل من عبادة الرجل ستين سنة.

 

وتحقق المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للمجاهد في قوله: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم  الذي لا يفتر صلاة ولا صياما حتى يرجع.

 

ويكون جهادك غير معدول بسائر الأعمال، لا يساويه شيء، ولا يساميه عمل، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني عملاً يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا أجده، هل تستطيع إذا خرج المجاهد في سبيل الله أن تدخل مسجدك فتقوم لا تفتر وتصوم ولا تفطر، قال: لا أستطيع ذلك،  قال أبو هريرة: إنّ فرس المجاهد يستن في طوله فيكتب له حسنات، رواه البخاري.

 

وقوله إن فرس المجاهد يستن في طوله..أي إن فرسه المعد للجهاد إذا مشى في حدود الحبل الذي هو مربوط فيه كتب الله للمجاهد أجراً، وكذلك كل آلة تستخدم في الجهاد يُكتب أجرها للمجاهد، فسيارته التي يستخدمها للجهاد تكتب له خطواتها، ودبابته كذلك، وطائرته، وكل ما يحتاجه للجهاد، ما دام معداً ومربوطاً للجهاد، وهذا من عظيم عطاء الله للمجاهدين.

 

-على المجاهد أن يصدق الله، فإنه مع الصدق يبلغ درجة الشهداءـ وإن مات على فراشه، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طَلَبَ الشَّهادة صادقا أُعطِيها وإنْ لمْ تُصِبْهُ». أخرجه مسلم من حديث أنس.

 

وعن شداد بن الهاد رضي الله عنه:أنّ رجلا من الأْعرابِ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فآمن به وَاتَّبَعَهُ، ثم قال: أُهاجِرُ معك، فأوْصى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعضَ أَصْحابِه، فلما كانت غَزاة، غَنِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئا فَقَسَمَ وقَسَمَ له، فأعْطَى أصحابَهُ ما قَسَمَ له، وكان يَرْعى ظَهْرَهم – يعني دوابهم- فلمَّا جاء دَفَعُوهُ إليه، فقال: ما هذا ؟ قالوا: قِسْمٌ قَسَمَ لَكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأخَذَهُ فجاء به إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: «قَسمْتُهُ لَكَ» قال: ما على هذا اتَّبَعْتُكَ ولكن اتَّبَعْتُكَ على أنْ أُرْمى إلى هَا هُنا - وأشارَ إلى حَلْقِهِ - بِسَهْمٍ فأموتَ فأَدْخلَ الْجنَّةَ، فقال: «إنْ تَصْدُقِ اللّهَ يَصْدُقْكَ»، فلَبِثُوا قليلا، ثم نهَضُوا في قتال العَدُوِّ، فأُتِى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحْمَلُ قد أصَابهُ سَهْمٌ حيثُ أشار، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَهُوَ هُوَ» قالوا نعم، قال: «صَدَقَ الله فَصَدقَهُ»، ثم كفَّنَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في جُبَّتِهِ، ثم قدَّمهُ فَصَلَّى عليْه، فكانَ ممَّا ظَهَرَ مِنْ صلاتِهِ: «اللَّهُمَّ هذا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهاجِرا في سبيلك، فَقُتِل شَهيدا، أنا شهيدٌ على ذَلك». أخرجه النسائي.

 

-على المجاهد أن يكتم أفعاله ومغازيه، ولا يتحدث بها أمام الناس، إلا ما كان فيه مصلحة.

 

فعن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري وكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا، وحدث أبو موسى بهذا ثم كره ذاك، قال: ما كنت أصنع بأن أذكره كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه، رواه البخاري.

 

فأين هذا ممن لا يرمي بطلقة في سبيل الله حتى يصورها، وحتى يتحدث بها الناس، وتنشر في المواقع الالكترونية.

 

-إذا حُمِد المجاهد من قبل الناس وأُثني عليه بما هو فيه، فلا بأس بذلك، وهذا من عاجل بشرى المؤمن.

 

فعن قيس بن بشر التغلبي -رحمه الله- قال: أخبرني أبي قال: كان بدمشق رَجُلٌ من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يقالُ لهُ: ابنُ الحْنَظَلِيَّةِ فَمرَّ بنا ونحنُ عندَ أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تَنْفَعُنا ولا تَضُرُّكَ؟ قال: بَعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة فَقَدِمَتْ، فجاء رجلٌ منهم فجلسَ في المجلسِ الذي يَجلِسُ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قال لرجلٍ إلى جَنبِهِ: لو رأيْتَنا حين الْتَقَيْنا مع العدوِّ فحملَ فُلانٌ فَطعنَ رجلا منهم، فقال: خُذها مِني وأنا والغلامُ الغِفارِيُّ، كيف ترى في قوله؟ فقال: مَا أُراهُ إلا قَدْ بَطَلَ أَجْرُهُ، فَسمِعَ بذلك آخرُ، فقال: ما أرى بما قال بَأْسا، فَتنَازعَا حتى سمعَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: سُبحانَ الله ؟ لا بأْسَ أنْ يُؤْجَرَ ويُحمْدَ، قال: فَسُرّ  أبو الدرْداءِ بذلك الحديث، وجعلَ يَرْفعُ رأسه إليه ويقولُ: أَأَنْتَ سمعتَ ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقول: نعم، رواه أبو داود بإسناد حسن.

 

-قبل أن تخرج إلى الجهاد التزم بشروط الله، وحقق في نفسك دين الله، فماذا ينفع الجهاد رجلاً لا يصلي، أو رجلاً يقيم على سب الله عز وحل وسب رسوله صلى الله عليه وسلم!

 

قال رجل لعبدالله بن عمر رضي الله عنه: أُريدُ أن أبيعَ نفْسي مِنَ اللهِ فَأُجَاهِدَ حتى أُقْتَلَ، فقال: ويْحَكَ وأَينَ الشُّرُوط؟ أيَن قوله تعالى (التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحامدُونَ السَّائِحُون، الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُون، الآمِرُونَ بالمعروفِ والنَّاُهونَ عن المنكر، والحَافِظُون لُحِدودِ الله، وبَشِّرِ المؤمنين).

 

-على المجاهد أن يتوخي الهدي النبوي، فيقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، ويستعمل ما يعلم من سننه، فإن المسلم إنما يقاتل أعداءه مستعيناً بطاعته لله ومعصيتهم له.

 

قال البخاري في صحيحه: باب عمل صالح قبل القتال، وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم اهـ

 

وفي وصية عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص ومن معه من جيش المسلمين: فإني أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عل كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك من الأجناد أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا نحن وإياهم في المعصية كان لهم فضل علينا في القوة اهـ.

 

-حصّن نفسك أيها المجاهد بالأذكار، وقراءة القرآن، ولا تغفل عن قراءة آية الكرسي، لا سيما أدبار الصلوات، وأكثر من قراءة قل هو الله أحد والمعوذتين، ولا تنس أذكار الصباح والمساء، ولا سيما قول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

 

فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا نزل أحدكم منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شىء حتى يرتحل منه ».

 

وكذلك قول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

 

فقد قال صلى الله عليه وسلم: من قال صباح كل يوم ومساء كل ليلة ثلاثا ثلاثا بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يضره شيء.

 

وكان بعض رواة هذا الحديث أصابه طرف من الفالج، فجعل ينظر إليه، ففطن له، فقال: ان الحديث كما حدثتك ولكني لم أقله ذلك اليوم ليمضي قدر الله، أخرجه البخاري في الأدب.

 

ولا تغفل كذلك عن الدعاء المأثور: الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العافية في ديني وأهلي واستر عورتي وآمن روعتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن يساري ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي.

 

كان بعض المجاهدين رحمه الله يسمي هذا الدعاء: مضاد الألغام، وصدق، فإنّ من الاغتيال من تحت أن يُفجر بالإنسان شيء من أسفله.

 

ولا يغفل المجاهد عن التسبيح والتحميد والتهليل والصلاة والسلام على الضحوك القتال محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا خير زاد للمجاهد.

 

لا سيما التكبير فإنه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم  في الغزو، كما فعل ذلك في حصار خيبر، وعنون عليه البخاري: باب التكبير عند الحرب، ولكن لا يرفع به صوته جداً، فقد أعقبه البخاري بباب: باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير أهـ.

 

-يستحب للمجاهد أن ينفق من ماله ويبذل لإخوانه، وهذه النفقة مخلوفة، وهي مباركة ومقبولة.

 

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْغَزْوُ غزْوانِ، فأمَّا من اْبَغَى وجْهَ اللهِ، وأَطاعَ الإمامَ، وأنْفَقَ الكَريمة، وياسَرَ الشَّريكَ،واْجتنَبَ الفَسادَ، فإنَّ نَوْمَهُ ونُبْهَهُ أْجرٌ كُلُّهُ، وأَّما من غَزَا فَخْرا، ورَيِاءَ، وسُمْعَة، وعَصَى الإمام، وأفسد في الأرضِ، فإنَّهُ لم يرَجِعْ بالكَفافِ.

 

-على المسلمين أن يجاهدوا بأموالهم، وهو واجب عليهم، قال ابن القيم: وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه، لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء كما قال تعالى: { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } وعلق النجاة من النار به ومغفرة الذنب ودخول الجنة فقال: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم } أهـ.

 

عن أبى مسعود الأنصارى قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه فى سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة »، رواه مسلم.

 

وليحرص على أن ينفق -من أي شيء أنفقه- زوجين، كي يكون له نصيب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي فُل هلم، قال أبو بكر: يا رسول الله ذاك الذي لا توى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن تكون منهم، رواه البخاري، وقوله: لا توى عليه أي لا هلكة ولا خوف.

 

ومن هذه النفقة المستحبة تجهيز الغزاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا.

 

-من هدي النبي صلى الله عليه وسلم اختيار أحسن السلاح، وامضاه وأقواه، وعلى المجاهدين أن ينظروا في سلاحهم، فما ارتابوا فيه تركوه، واستعانوا بما حسن صنعه، وقوي حبكه.

 

عن عبد الله بن بسر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى خيبر بعمامة سوداء ثم أرسلها من ورائه - أو قال: على كتفه اليسرى - ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع الجيش وهو متوكئ على قوس،فمر به رجل يحمل قوساً فارسياً فقال: "ألقها فإنها ملعونة ملعون من يحملها،عليكم بالقنا والقسي العربية فإن بها يعز الله دينكم ويفتح لكم البلاد".

 

قال يحيى بن حمزة: إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها كانت إذ ذاك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما اليوم فقد صارت عدة وقوة لأهل الإسلام، رواه الطبري بإسناد صالح.

 

- غبر قدميك في سبيل الله، وشعث رأسك من أجله.

 

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار، رواه البخاري.

 

فامشوا أيها المجاهدون واركبوا وغبّروا أقدامكم، فعن سليمان بن موسى قال: مر مالك بن عبد الله الخثعمي وهو على الناس بالصائفة بأرض الروم يقود دابته، فقال له: اركب فإني أرى دابتك ظهيرة –أي قوية- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حرم الله عليهما النار".

 

قال: فنزل مالك ونزل الناس يمشون، فما رُئي يوم أكثر ماشياً منه، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.

 

وذكر الذهبي في ترجمة العبد الصالح المحدث يونس بن عبيد أنه نظر إلى قدميه عند الموت وبكى، فقيل ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ قال: قدماي لم تغبر في سبيل الله.

 

-وهذا حديث جامع لأحكام الجهاد وآدابه، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه:

 

عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال « اغزوا باسم الله، فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذى يجرى على المؤمنين ولا يكون لهم فى الغنيمة والفىء شىء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا.

 

فمن فقه هذا الحديث ما يلي:

 

-لا بد للسرية والكتيبة من أمير يأتمرون به ويقاتلون تحت رايته.

 

وتجب لهذا الأمير السمع والطاعة بالمعروف، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإن عليه منه، رواه البخاري.

 

وعلى الأمير أن يتقيَ الله فيهم، وأن يرأف بحالهم، فيسير بسير ضعيفهم، فهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم.

 

قال صلى الله عليه وسلم: « بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ».وهكذا يكون الأمير.

 

ويتقي الأمير ما استطاع دعوةَ النبي صلى الله عليه وسلم: « اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولى من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فارفق به ».

 

-الطاعة المفروضة للأمراء هي طاعة المعروف، وليس لهم أن يحزبوا الناس حولهم على غير الحق.

 

قال ابن تيمية: وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

 

وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريده ؛ وموالاة من يواليه ؛ ومعاداة من يعاديه بل من فعل هذا كان من جنس جنكيزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا مواليا ومن خالفهم عدوا باغيا ؛ بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله ؛ ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله ؛ ويحرموا ما حرم الله ورسوله ؛ ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله. فإن كان أستاذ أحد مظلوما نصره وإن كان ظالما لم يعاونه على الظلم بل يمنعه منه ؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه، وإذا وقع بين معلم ومعلم أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة لم يجز لأحد أن يعين أحدهما حتى يعلم الحق فلا يعاونه بجهل ولا بهوى بل ينظر في الأمر فإذا تبين له الحق أعان المحق منهما على المبطل سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره ؛ وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره فيكون المقصود عبادة الله وحده وطاعة رسوله ؛ واتباع الحق والقيام بالقسط أهـ

 

وليس للقائد أن يعاقب أحدا أخطأ من جنده بشيء زائد عن العقوبة الشرعية، فإن أمر بهذا الشيء لم يسمع منه.

 

 -يحرم على المجاهد الغدر، وينصب للغادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان.

 

فإذا أعطى المجاهد عهداً أو أماناً أو ميثاقاً وجب عليه الالتزام به، ولا يبدأ بالغدر أبداً، فإن خاف الغدر من عدوه يُعلم المجاهد عدوه أنه تحلل من هذا العهد والميثاق، كما قال تعالى (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين).

 

فإن عاهدوا حاجزا أو بلدة أو ما شابه فنقض بعضهم لا كلهم، كانوا في عداد الناكثين، الذين لا عهد لهم ولا ميثاق.

 

-إذا اعطى المجاهدون أمانا لعدوهم حرم عليهم الغدر به، وهذا الأمان كأن يقولوا له: أنت آمن، أو سلّم تسلم، أو انشق وأنت آمن، ونحو ذلك، فإن سلم نفسه لزمهم الوفاء، فإن رأوا أنه ممن لم يكن ينبغي لهم أن يؤمنوه أبلغوه مأمنه ثم نبذوا إليه الأمان، فيقاتلوه، ولذلك على المجاهدين أن يتنبهوا لهذه المسألة فلا يعطوا الأمان إلا لمن يرون فيه مصلحة للمسلمين.

 

-من أمد العدو بسلاح او مال أو قواه بأي شيء على المسلمين لم يعد له عهد عند المسلمين قاطبة، وأصبح عدواً محارباً، وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح، وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريش عهد النبي صلى الله عليه وسلم بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه فكيف إذا أعان أهل الذمة المشركين على حرب المسلمين والله أعلم.

 

-يحرم على المجاهد المثلة، وهي قطع جزء من جسم القتيل بعد قتله، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، نهيا عاما فلا يحل من ذلك شيء، وإن كان المقتول عدوا ذا نكاية في الإسلام، فعلى المجاهد أن يلتزم بأمر الله ورسوله.

 

ومن المثلة الحرق بالنار، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن حرق العدو بالنار.

 

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بَعَثَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بعثٍ، فقال: إنْ وجدُتمْ فُلانا، وفلانا - لرجلين من قريش سَمَّاهُمَا - فَأحْرِقُوهُما بالنار، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروجَ: إنِّي أَمَرْتُكمْ أن تُحَرِّقوا فلانا وفلانا، وإنَّ النَّارَ لاُ يعذِّبُ بها إلا اللّهُ، فإنْ وَجَدْتُمُوهُما فاقْتُلوُهما، رواه البخاري.

 

أراد بذلك الأسير ومن في حكمه ممن يمسك، وأما في حال النزال والتحام الجيشين فلا بأس بكل ما فيه نكاية، ولو أن يقذفهم بحمم النيران.

 

وللمجاهدين أن يجزوا عدوهم بجنس أفعالهم، فإذا أسروا عدوا لهم مثَّلَ ببعض المسلمين أو أحرقهم فلهم أن يفعلوا به كما فعل، جزاء وفاقا.

 

قال تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين).

 

-يحرم على المجاهد قتل الصغير الذي لم يبلغ والمرأة التي لم تقاتل والراهب المعتزل في دار العبادة ما لم يقاتلوا.

 

وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته للمشركين امرأة مقتولة فنهى عن قتل النساء والصبيان، وأنكر ذلك وقال: من قتل هذه، ما كان لهذه أن تقاتل.

 

وأصله في صحيح البخاري.

 

نعم إن أصيب هؤلاء في التبيت والرمي البعيد فلا بأس، إذا لم يكونوا مقصودين، كما سنذكره.

 

-في قتال الكفار يبدأ المجاهد بدعوتهم إلى إحدى ثلاث: إما الإيمان أو الجزية أو القتال.

 

-في قتال البغاة والفتنة ومن شُبِّه عليه فعلى المجاهد أن يدعوهم ويبين لهم قبل البدء بالقتال، إلا إنْ كان الأمر عاماً ولم يخف على أحد وجهه، فقد أغارَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على بني المصْطَلِقِ وهُمْ غَارُّونَ، وأنعامُهُم تُسْقَى على الماء، فَقَتلَ مُقَاتِلَتَهمْ، وسَبَى ذَرَاريَّهُمْ، وأصاب يومَئِذٍ جُوَيْريِة، متفق عليه من حديث ابن عمر, وهذا هو الحال اليوم في بلاد الشام فلم يعد أحد يجهل حقيقة ما يجري بعد مضي عامين على جهادهم.

 

-ليس للمجاهد إذا طلب الكفار منه ذمة الله ورسوله أن يعطيهم ذلك، فقد يخفر أحد المجاهدين هذه الذمة بقصد أو بغير قصد، وإنما يعطيهم ذمته وذمة أصحابه.

 

-على المجاهد ألا يفسد الزرع ولا البناء ولا مظاهر المدنية، فإن المسلم مأمور بالإحسان في كل شيء.

 

وقد أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيوش الشام بعشر وصايا فقال: وإنِّي مُوصِيكَ بعَشْرٍ: لا تَقْتُلَنَّ امرأةَ، ولا صبِيا، ولا كبيرا هَرما، ولا تَقْطَعْ شَجَرا مُثْمِرا، ولا تُخَرِّبَنَّ عامِرا، ولا تَعْقِرَنَّ شاة ولا بعيرا إلاّ لِمَأْكَلَةٍ، ولا تُغرِّقنَّ نَخْلا ولا تُحَرِقَنَّه، ولا تَغُلُّوا، ولا تَجْبُنُوا.

 

-يحذر المجاهد مِن الإسراف في الدماء، ومِن قتل المعصوم، فإن للجهاد غاية ينتهي عنده، قال صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله، رواه البخاري.

 

فلا يجوز قتل المسلم أبداً وذلك من كبائر الذنوب، ولا قتل المعاهد وهو الذي أعطي عهداً وأماناً، ولا الذمي وهو المقيم بين ظهراني المسلمين من أهل الكتاب ممن يدفع الجزية.

 

قال صلى الله عليه وسلم «من قتل مُعَاهِدا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإنَّ ريحها يوجدُ من مسيرةِ أربعين عاما». رواه البخاري.

 

ولا يحتج المجاهد بأنه كان في غضب فقتل من لا يستحق القتل، أو أنه لم يستطع التثبت، فإن الله قد وضع الحدود وبين الأمور، فلا يعذر أحد بعد علم.

 

قال أسامة بن زيد رضي الله عنهما: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة – حي من أحياء جهينة - فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله، قلت: كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم، متفق عليه.

 

وفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلنى فضرب إحدى يدى بالسيف فقطعها، ثم لاذ منى بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تقتله »، قال: فقلت يا رسول الله إنه قد قطع يدى ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال ».

 

وهذه الأحاديث واردة في الكافر الأصلي الذي يسلم، والمقصود هنا التوقي في الدماء والحذر من مغبتها، فإنك أن تلق الله وقد أخطأت في العفو خير من أن تلقاه وقد أخطأت في القتل.

 

ولذلك يتريث في الأسرى على نحو ما سأذكره.

 

 -لا يجوز تمني لقاء العدو، ولكن يجب إذا لقيهم المسلم أن يثبت، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا.

 

-من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا أن يتأخر بعد الفجر إلى أن تميل الشمس، أول النهار، ثم يبدأ الغزو، كما ثبت ذلك عنه.

 

وفي بعض الأحاديث أنه كان إذا طَلَعَ الفجرُ أَمْسَكَ عن القتالِ، حتى تطلعَ الشمسُ، فإذا طَلَعَتْ قَاتَلَ، حتى إذا انْتَصَفَ النَّهارُ أمسك حتى تَزُولَ الشَّمْسُ، فإذا زالَتْ قاتلَ حتى اْلعَصْر، ثم أَمسك حتى يُصَلِّيَ العصرَ، ثم قاتل قال: وكان يقول: عند هذه الأوقاتِ تَهيجُ رياحُ النَّصرِ، ويدعُو المؤمنون لجيوشِهم في صلواتهم، رواه الترمذي.

 

وهذا راجع للمصلحة التي ينظرها الأمير، فقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنما يُغِيرُ إذا طَلَعَ الفَجْرُ، وكان يستمِعُ الأذان، فإنْ سمع أذانا أَمْسكَ، وإلا أغارَ.

 

وثبت عن أنس في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى خيبر ليلا، قال: أَتاها ليْلا، وكان إذا أتَى قوما بليلٍ لم يغِرْ حتى يُصْبِحَ.

 

وترجم البخاري: باب كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس أهـ.

 

-يحرم على المجاهد التولي يوم الزحف، وهو الفرار من المعركة جبناً وخوفاً.

 

قال سبحانه وتعالى(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال او متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير).

 

فقد حرم الله عز وجل الفرار من العدو إلا في حالتين:

 

الأولى: أن يولهم دبره من باب الخدعة كي يغير عليهم من جديد.

 

والثانية: أن ينحاز إلى فئة أخرى من المسلمين فيقاتل الكافرين معهم.

 

والتولي يوم الزحف من أكبر الكبائر، قال صلى الله عليه وسلم: قال « اجتنبوا السبع الموبقات »، قيل يا رسول الله وما هن قال « الشرك بالله والسحر وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات »، متفق عليه.

 

نعم إذا كثر عدد المشركين حتى لم يكن للمسلمين قِبل بهم فقد رخص الشرع في الفرار من أمامهم وليس بترك السلاح والجهاد، فقال تعالى (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين)

 

وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة لم يفر"،  رواه الطبراني ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي.

 

وهذا ضابط جاءت به الآية والحديث كما ترى.

 

-من هدي النبي صلى الله عليه وسلم التضرع والالتجاء والتذلل والالحاح بالدعاء لله قبل الغزو، كان يقول: اللَّهمَّ مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْريَ السحاب، وهازمَ الأحزاب،اهْزِمهُمْ واْنصُرْنا عليهم، متفق عليه.

 

وعند أحمد وأبي داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غَزَا قالَ: «اللَّهُمَّ أنت عَضُدي ونصيري، بِكَ أَحُول، وبِكَ أَصُولُ، وبك أقُاتلُ» وإسناده صحيح.

 

وتضرعه يوم بدر مشهور، وكان مما قال: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم، فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك، فخرج وهو يقول {سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}.

 

-من هديه صلى الله عليه وسلم المظاهرة بالدروع، أي يلبس درعين يتقي بهما سهام الأعداء، ولبس الخوذة لحماية رأسه الشريف، بأبي هو وأمي، ولذا فعلى المجاهدين أن يأخذوا حيطتهم وحذرهم، وليس هذا من الجبن ولا من الاعتماد على غير الله، بل هذا مسنون مستحب، فمن وجد واقيا من الرصاص فليلبسه، ومن لم يجد فليتحرف لنفسه ما استطاع.

 

-للمجاهد أن يفعل كل ما يغيظ العدا، فيختال في مشيته، ويصبغ شعره بالسواد، وينشد الشعر، وكل هذا من هديه صلى الله عليه وسلم في الغزو.

 

-يحتفظ المجاهدون بسرهم ولا يخبروا به إلا من يثقوا به، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوري في مغازيه، كما ثبت ذلك عنه، وهذا من الخدعة في الحرب.

 

-يستحب للمجاهدين أن يصفوا صفوفهم، ويرتبوا أنفسهم للقتال، وأحسن الصفوف ما كان على هيئة صفوف الملائكة، وهي كما يصف المسلمون للصلاة، قال تعالى (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص).

 

قال ابن كثير: هذا إخبار من الله تعالى بمحبته عباده المؤمنين إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان.

 

ثم ذكر حديث الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال..

 

وعن كعب الأحبار أنه قال:..صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة" ثم قرأ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}..

 

 وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. قال: وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} أي ملتصق بعضه في بعض من الصف في القتال، وقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى بعض، وقال ابن عباس {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض.

 

وقال قتادة {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك الله عز وجل لا يحب أن يختلف أمره وإن الله صف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به..

 

-من هديه صلى الله عليه وسلم في الغزو والسفر التكبير إذا ارتقوا على جبل أو تل والتسبيح إذا نزلوا واديا أو هبطوا، وهكذا يفعل المجاهد الطيار، إذا اقلع كبر، واذا انخفض سبح.

 

عن ابن عمر أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان هو وجُيوشُهُ إذا عَلَوُا الثَّنايا كبَّرُوا، وإذا هبطوا سَبّحُوا، رواه أبو داود بإسناد جيد.

 

-من هديه صلى الله عليه وسلم كتم الصوت عند الغزو وعدم الصياح والصراخ، فقد كان أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَكرهُونَ الصوت عندَ القِتالِ. أخرجه أبوداود.

 

-يستحب اتخاذ الشعار فيما بين المجاهدين، وهي أشبه ما تكون بكلمة السر بينهم، وهذا من آداب النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في الحروب، ففي حديث الحسن عن سمرة قال: كان شِعَارُ المهاجِرين: عَبْدَ اللَّهِ، وشِعَارُ الأنصارِ: عبدَ الرحمن، أخرجه أبو داود.    

 

وأخرج أحمد وغيره عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: أمَّرَ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مرة أَبا بكرٍ في غَزَاةٍ، فَبَيَّتْنا ناسا، من المشركين نقْتُلُهم وقتلتُ بيدي تلك الليلة سبْعة أهْلِ أبياتٍ من المشركين، وكان شعارنا: أَمِتْ.

 

وفي رواية عند أبي داود: يا منصُورُ أَمِتْ، يا منصُ أَمِتْ.

 

وفي لفظ: قال: غزوْنا مع أبي بكرٍ زمَنَ النبي صلى الله عليه وسلم فكان شِعارنُا: أمِتْ، أمِتْ، وإسناده صحيح.

 

-للمجاهدين أن يبيتوا المشركين والمرتدين ليلا، فيقتلوا من أصابوا منهم ويغنموا ويفتحوا، ولهم أنْ يرموا قراهم ليلاً ولو أصابوا منهم من لا يقتل في النزال.

 

ويسمى التبييت: غشم الغارة، أي الإغارة على غير هدف بعينه.

 

فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يبيتون الاعداء لأن ذلك من الخدعة، والحرب خدعة.

 

عن الصَّعْب بن جَثَّامة قال: مرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالأَبْواءِ- أوْ بِودَّانَ- وسُئِلَ عن أَهْلِ الدار من المشركين يُبَيَّتُونَ، فيُصابُ مِنْ نِسائِهمْ وذَرَاريّهم،قال: هم منهم، متفق عليه، لكن قال الزهري في بعض الروايات: ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والولدان.

 

وهذا اجتهاد منه رحمه الله، لكن إن لم يقدر على المشركين إلا بإصابة ذراريهم فلا بأس، والله أعلم.

 

وهذا في القرية المشركة أو المرتدة، كقرى النصيريين المحاربين، أو في معسكرات المحاربين حتى لو كان فيها من خرج مكرها ومن لا يعلم بحقيقة الأمر.

 

وأما إذا كانت القرية فيها مسلمون ومشركون ولا يستطاع تمييز هذا من هذا فلا يرمى على غير هدى، خشية من أن يصيبوا المسلمين.

 

-قد يجتمع في القرية الواحدة حكم من دار الحرب وآخر من دار الإسلام، وذلك بأن يكون فيها مسلمون وكافرون، وبعضها محارب وبعضها مسالم.

 

كما قال ابن تيمية في جوابه عن حكم ماردين، فقال: وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة: فيها المعنيان ؛ ليست " بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام ؛ لكون جندها مسلمين ؛ ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار ؛ بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه أهـ.

 

فيفقه المجاهدون ذلك كله، ويفطنون له، ويعاملوا كل بلدة بما تستحق.

 

-للمجاهدين وهم في الغزو أن يأكلوا مما بين أيدهم من حقول ومزارع، فيصيبوا منها بالمعروف دون أن يحملوا منها شيئاً، وذلك إذا احتاجوا ولم يكن معهم ما يكفيهم.

 

-للمسلم أن يمنع العدو من ماله ونفسه ويدفعه بما استطاع ولو أن يقاتله بيده، ولو كان مع العدو سلاحاً أقوى، فإن قتله هذا العدو فهو شهيد،  والأحاديث في هذا كثيرة معلومة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ قُتِلَ دُونَ ماله فهو شهيد ؟»، وفي رواية: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فهو شهيد»، وهي رواية جامعة.

 

وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه: قال سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ قُتلَ دُونَ مالهِ فهو شهيد، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهو شهيد، ومن قتلَ دون دِينه فهو شهيد، ومن قُتلَ دُونَ أهْلهِ فِهو شهيد».

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أَرأيتَ إنْ جاء رجلٌ يريدُ أَخْذَ مَالي ؟ قال: «فلا تُعْطِهِ مالَكَ»، قال: أرأَيتَ إنْ قَاتَلَني ؟ قال: «قاتِلْهُ»، قال: أرأيتَ إنْ قَتَلني ؟ قال: «فأنتَ شهيدٌ»، قال: أرأَيتَ إنْ قتلتهُ ؟ قال «هو في النار». أخرجه مسلم.

 

وهذه النصوص تظهر أن الإسلام دين عزة وشجاعة، ويأبى الضيم والخنوع.

 

-إذا أصاب المجاهد نفسه بسلاحه فمات فهو شهيد، مثل أن ينفجر به لغم، أو يخرج للرمي فتنفجر فيه الرمية، فهذا شهيد عند الله، ولا يقال إنه تسبب في مقتل نفسه.

 

فقد أصاب رجل من الصحابة نفسه بالسيف فقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه شهيد، وقال عن ابن الأكوع الذي ارتد عليه سيفه فقتله: له أجره مرتين.

 

وتجري عليه أحكام الشهيد.

 

ومثله من كان بين المجاهدين في معسكرهم قبل أن يقوموا للنزال فأصابته رصاصة أو سهم لا يعرف من أرسله، من جهة الكافرين أو غيرهم فإنه شهيد.

 

لما ثبت في البخاري عن أنس بن مالك أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى.

 

-من يُقتل من المسلمين مقبلا غير مدبر طائعا غير باغٍ فهو شهيد، ولا بأس أن يقال: فلان شهيد، إذا كان هذا هو الظاهر من حاله، وأما ما ترجم البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الجهاد: باب لا يقال فلان شهيد، ثم ذكر حديث الرجل الذي قاتل وقال النبي صلى الله عليه وسلم هو في النار، ثم جرح فعمد إلى سيفه فقتل نفسه، فإنّ مراد البخاري أنّ هذا في الذي يظهر من حاله أنه لم يقاتل لوجه الله، أو لم يحتسب في ذات الله فهذا لا يقال له شهيد، وهذا جواب شيخنا العلامة عبدالله الغنيمان شارح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، وهو متجه فإن فقه البخاري يؤخذ من الترجمة مع الحديث معا، والله أعلم.

 

-إذا جُرح المجاهد أو كلم أو نُكب فأجره على الله ما دام جريحاً أو منكوباً، دُميت إصبع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض المشاهد مع الكفار، فقال: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت، رواه البخاري.

 

وعنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك.

 

فلا يحزن الجريح، فقد وقع أجره على الله، وكتب له نصيبه من الجهاد، ما دام جرحه يمنعه، وما دامت نكبته تحول دون ذلك.

 

والرسول صلى الله عليه وسلم عزاء كل جريح، فقد جرح وجهه الشريف، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، فجعل يسلت الدم عنه –بأبي هو وأمي- ويقول « كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله »، فأنزل الله عز وجل (ليس لك من الأمر شىء).

 

-يحذر المجاهد من القتال تحت الراية العِمِّية، والعصبية الجاهلية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من قاتل تحت راية عمية فمات فميتته جاهلية.

 

وتعرف هذه الرايات بالدعوات الجاهلية التي تدعو إليها، فقد يوجد بين المقاتلين من يقاتل لفرض نِظام دنيوي، أو دستور جاهلي فيحذر من القتال مع هؤلاء فإنّ رايتهم عمية، ودعواهم جاهلية، من مات عليها قاصدا نصرتها مات ميتة جاهلية.

 

وفي الحديث: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وانا آمركم بخمس أمرني الله بهن الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله عز وجل فمن فارق الجماعة قيد شبر  خلع يعني ربقة الاسلام من رأسه إلا ان يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، قيل وان صام وصلى، قال: وإن صام وصلى فادعوا بدعوى الله الذي سمى الله به المسلمين المؤمنين عباد الله، رواه الترمذي بإسناد صحيح.

 

وليس من دعوى الله عز وجل القتال لفرض دستور جاهلي ينحي حكم الله عن الأرض، وقد بينت الراية العمية في رسالة كتبتها لبعض من سألني من أهل الشام عن هذا الحديث، وانتشرت هذه الرسالة ولله الحمد، وهي بعنوان: الراية العمية والميتة الجاهلية، فمن أراد الاستزادة فلينظر فيها، فإنها منشورة في شبكة المعلومات الانترنت.

 

-المجاهد يطاوع إخوانه، ويخفض لهم جناحه، ويلين بأيديهم، ويسمع لقائده، وحيث ما أُمر يكون، إن كان في المقدمة لم يجبن، وإن طُلب للحراسة لم يتأخر، وإن جُعل في آخر الجيش سمع وأطاع.

 

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الساقة كان في الساقة، وان كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن استأذن لم يؤذن له وان شفع لم يشفع طوبى له ثم طوبى له، رواه البخاري.

 

-يحذر المجاهدون من التنازع والاختلاف والتفرق فإن ذلك من أسباب الفشل، وتأخر النصر، قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

 

وهذه سنة من سنن الله عز وجل لا تتخلف ولا تجامل، ولو جاملت أحدا لجاملت المسلمين يوم أحد، فإنهم لما اختلفوا وتفرقوا وخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم حل بهم ما حل.

 

-الغلول حرام.

 

وهو أن يأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم، وما في حكم الغلول مثل أن يسرق أموال المسلمين في الجهاد، أو يتعدى عليها.

 

قال سبحانه وتعالى (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون).

 

وقد حرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما متاع الغال، نكاية له، وضربوه وحرموه سهمه، رواه أبو داود، وفي إسناده نظر، لكن هذا راجع إلى الإمام، قال الخطابي: لا أعلم خلافاً بين العلماء في تأديب الغال في بدنه بما يراه الإمام، وأما إحراق متاعه فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال به، ومنهم من لم يقل به، وإليه ذهب الأكثرون، ويكون الأمر بالإحراق على سبيل الزجر والوعيد لا الوجوب،والله أعلم.

 

-من أعظم ما ورد في عقوبة الغال يوم القيامة حديث  عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: قال: حدَّثني عمرُ قال: لمَّا كان يومُ خيْبرَ أَقْبلَ نفَرٌ من صحابةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلانٌ شهيدٌ، وفلانٌ شهيدٌ، حتى مَرُّوا على رجُلٍ فقالوا: فلانٌ شهيدٌ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:كلاَّ، إنِّي رأيتُهُ في النارِ في بُرْدَةٍ غَلَّها - أو عَباءةٍ - ثُمَّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا ابْنَ الخطابِ، اذْهبْ فَنادِ في الناسِ: أنَّهُ لا يدخلُ الجَّنةَ إلا المؤمنون - ثلاثا - قال: فخرجتُ، فناديتُ: ألا، إنهُ لا يَدْخُلُ الجنَّةَ إلا المؤمنونَ، رواه مسلم.

 

فقد حُرم هذا الجنة في بردة – أي ثوب – غله من غنائم المسلمين، والله المستعان.

 

ولم يُصلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المجاهدين قُتل لأنه كان غلّ خرزا من خرز اليهود، أخرجه النسائي.

 

وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كان على ثَقَل النبي صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يُقَال له: كِرْكِرَةُ، فماتَ، فقال:رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:«هو في النارِ»فَذَهَبُوا يَنْظُرونَ إليه، فَوَجَدُوا عَباءة قَد غَلَّهَا.

 

وكل شيء يغله المجاهد يشتعل عليه لهباً وناراً في نار جهنم:

 

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:قال: خرجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى خَيْبَرَ، ففتح الله علينا، فلم نَغنَمْ ذَهبا وَلا وَرقِا، غنمنا المتاعَ، والطَّعَامَ والثِّيَابَ، ثُمَّ اْنطَلَقْنا إلى الوادي - يعني: وادِي الْقُرَى - ومَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عَبْدٌ له، وهَبَهُ له رجُلٌ من جُذام يُدْعى رِفَاعَة بن زَيدٍ، من بني الضُّبَيْبِ، فلمَّا نَزَلنَا الوادي قام عبدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فكان فيه حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هنيئا له الشَّهادةُ يا رسولَ اللهِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كلاَّ، والذِي نَفْسُ محمد بيَدِه، إنَّ الشَّمْلَةَ لَتلْتهِبُ عليهِ نارا، أخَذَها من الغنَائِم يوْم خَيْبَر، لم تُصبِهَا المقاسِمُ» قال: فَفَزِعَ النَّاسُ فجاءَ رجُلٌ بِشِراكٍ، أوْ شِراكَيْنِ، فقال: أَصَبْتُهُ يومَ خَيْبر، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «شِراكٌ من نارٍ، أو شِراكانِ من نارٍ».

 

وفي رواية نحوه، وفيه: ومَعهُ عبْدٌ يُقالُ له: مِدْعَمٌ، أَهْدَاهُ له أحَدُ بني الضِّباب، إذْ جاءهُ سَهْمٌ عائِرٌ.

 

هذا ويجب على من علم مجاهداً غالاً أن يخبر به، ويبلغ عنه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من كتم غالا فإنه مثله، رواه أبو داود.

 

وسبيل التوبة من الغلول أن يعيد الغال ما أخذ، فيرده إلى الأمير، أو يرد مثله أو قيمته.

 

وليس من الغلول في شيء الطعام والشراب الذي يحتاجه المجاهد.

 

-الأسير تحت نظر المصلحة، فإنْ رأى المجاهدون المصلحة في قتله قتلوه، وإن رأوا أن يمنوا عليه منوا، وهذا عام في أسير الحرب.

 

قال ابن القيم: كان –صلى الله عليه وسلم - يمنّ على بعضهم ويقتل بعضهم ويفادي بعضهم بالمال وبعضهم بأسرى المسلمين، وقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة أهـ

 

إلا أنّ الجهاد الشامي يختلف، فإنّ في جيش العدو من أُكره من المسلمين، بدليل أنه لا تزال الأخبار تأتينا بقتل العدو رجالاً من المسلمين معه هموا بالهروب والالتحاق بالمجاهدين، فالحكم أنْ يُقتل من الأسرى ما ثبت أنه قتل أو أعان على قتل أحد من المسلمين، أو نكّل أو عذّب، ولا سيما من أبناء القرامطة النصيرين فإنهم في الأصل كافرون، وليسوا بمسلمين، وأمَّا من كان من المسلمين معهم فينظر في أمره ويتريث فيه، فإن ثبت أنه كان مكرهاً لم يجز قتله على أي حال، إلا أن يكون قد قتل.

 

وتأملوا كيف كفّ الله عز وجل أيدي المؤمنين وسلاحهم عن أهل مكة من بعد أن أظفرهم الله بهم، ونصرهم عليهم، لأنّ بين  المشركين مَن هو مِن أهل الإسلام لم يستطع أن يخرج من ظهرانيهم، فأخر الله عليهم الفتح مكة كي لا يصاب هؤلاء بمضرة، وقال عز من قائل: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً).

 

قال ابن كثير: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ} أي بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكُنَّا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال تعالى: {لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ} أي إثم وغرامة {بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم قال تبارك وتعالى: {وْ تَزَيَّلُوا} أي لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلاً ذريعاً أهـ.

 

وقد قيل: إنهم كانوا تسعة نفر، سبعة رجال وامرأتين.

 

فانظر رحمةَ الله بعباده، ورأفته بالمؤمنين، فعلى المجاهدين أن يتثبتوا في هذا الباب، ولا يقحموا أنفسهم في دماء قد لا يخرجوا منها.

 

-للمرأة أنْ تشهد المعركة مع المسلمين فتطبب الجرحى، وتخدم المجاهدين، وتهيء لهم الطعام والشراب، مالم تخش فتنة، ويكون لها بذلك أجر عظيم.

 

قال ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغْزُو بالنساء فَيُداوِينَ الجَرْحَى ويُحذَيْنَ مِنَ الغنيمَةِ، وأمَّا سهمٌ  فَلَمْ يضرِب لَهُنَّ أهـ رواه أحمد بإسناد صحيح.

 

لكن لا تخرج إلا المرأة القادرة على ذلك مع محرمها، فقد روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه:قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَغْزُو بأُمِّ سُليم ونسوةٌ من الأنصار معه، فَيَسْقِينَ الماءَ، ويُدَاوين الجَرْحَى.

 

وفي البخاري عن الرُّبَيِّع بنت معوذ رضي الله عنها: قالت: لقد كُنَّا نَغْزُو مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لِنَسقيَ القومَ ونَخدِمَهم، ونَرُدَّ القتلى والجرحى إلى المدينة.

 

وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: غَزَوْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سَبعَ غَزواتٍ، أخْلُفُهُمْ في رِحالهمْ، فَأصْنَعُ لهمُ الطعام وأُداوي الجَرْحى، وأقومُ على المرَضَى. أخرجه مسلم.

 

وإن ظهر من المرأة شيء مما لا يظهر منها في الغالب في الحرب لخدمة المجاهدين فلا حرج، لما ثبت في البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب وقال غيره تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم، وترجم عليه البخاري: باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال، ثم قال: باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو، ثم باب مداواة النساء الجرحى في الغزو، ثم باب رد النساء الجرحى والقتلى إلى المدينة، وكل ذلك قد ذكرنا أحاديثه.

 

-للمجاهدين أن يغتالوا مَن يرون من رؤوس الكفر من أعدائهم الذين يؤذونهم، ويحتالوا لذلك حتى يتمكنوا منه، وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

 

فقد كان يرسل من يغتال الرؤوس والقادة، ولا يخفى أن في اغتيال هؤلاء مصلحة عظمى للمسلمين، نسأل الله أنْ يُهيء من يغتال طاغوت الشام ومن معه من رؤوس الكفر.

 

عن كعب بن مالك رضي الله عنه: أنَّ كعب بن الأشرف، كان يَهْجُو رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ويُحَرِّضُ عليه كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ قدِمَ المدينة، وكان أَهْلُها أَخْلاطا، منهم المُسْلمون، والمشركون يعبدونَ الأوثانَ، واليهودُ، فكانوا يُؤْذُونَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمَرَ اللهُ عز وجل نبيَّهُ بالصَّبْرِ والعَفْوِ، ففيهم أنزل الله {ولَتَسْمَعُنَّ من الَّذين أُوتُوا الكتابَ من قَبْلِكم ومِنَ الَّذين أشْركُوا أذى كثيرا }، فأبَى كعب بن الأشرف أنْ ينْزِعَ عن أذَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سعْدَ بن معاذٍ أنْ يَبعثَ إليه من يقْتُلُهُ فقتله محمد بن مسلمة - وذكر قصَّةَ قتله - فَلمَّا قتلوهُ فَزِعتِ اليهودُ والمشركونَ، فَغَدَوْا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: طُرِقَ صاحبُنا وَقُتِلَ، فذكرَ لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقولُ، ثم دعاهم إلى أن يَكتُبَ بينه وبينهم كتابا، ينتهون إلى ما فيه، فكتبَ بينه وبينهم وبين المسلمين عَامَّة صَحيفَة. أخرجه أبو داود.

 

وقال البخاري في صحيحه: باب الفتك بأهل الحرب، ثم ذكر قصة قتل كعب بن الأشرف.

 

-الرباط في سبيل الله وحراسة المجاهدين والمدن المحررة من جيش الطغاة جهاد في سبيل الله، فعلى المجاهد ألا يزهد في ذلك، وألا يتوهم أنها دون مقارعة الأعداء في الملاحم.

 

وأما أجر الرباط فعظيم، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، يصعب حصرها في هذه الرسالة، ولو لم يكن إلا أن المرابط لا يختم على عمله وينمو له لكفى، وفي البخاري وغيره عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم: رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها.

 

وقد أمرنا الله بالمرابطة فقال: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}.

 

وكذلك الحراسة في سبيل الله، فقد ثبت أن عين الحارس في سبيل الله لا تمسها النار، قال صلى الله عليه وسلم: عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله.

 

وكم نفعت هذه العين الحارسة في دفع الضرر عن المسلمين، وحماية حريمهم وذراريهم، فالله الله أيها المجاهدون في الرباط والحراسة.

 

-على المجاهدين تمكين دين الله في الأرض التي تمكنوا فيها، فإن ذلك من أسباب توالي النصر، ورضى الله عز وجل.

 

قال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).

 

وقال تعالى: (وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

 

وهذا هو المقصود من الجهاد، إقامة دين الله.

 

قال ابن تيمية: فالمقصود بالجهاد أن لا يعبد أحد إلا الله ؛ فلا يدعو غيره ولا يصلي لغيره ولا يسجد لغيره ؛ ولا يصوم لغيره ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته ولا يذبح القرابين إلا له ولا ينذر إلا له ولا يحلف إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف إلا إياه ولا يتقي إلا إياه. فهو الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يدفع السيئات إلا هو ولا يهدي الخلق إلا هو ؛ ولا ينصرهم إلا هو ولا يرزقهم إلا هو ولا يغنيهم إلا هو ولا يغفر ذنوبهم إلا هو قال تعالى: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون } { وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون } { وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } { ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون }. والله تعالى قد حرم الشرك كله وأن يجعل له ندا ؛ فلا يدعى غيره لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحون ولا الشمس ولا القمر ولا الكواكب ولا الأوثان ولا غير ذلك

 

-لا يستعين المسلمون في قتال الكافرين بغير المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم: إنّا لا نستعين بالمشركين على المشركين.

 

إلا إن احتاجوا لذلك فلا بأس بالاستعانة بهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، أخرجه البخاري.

 

وقال الزهري: إن النبي صلى الله عليه وسلم اسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه، أخرجه أبو داود، وإن كانت مراسيل الزهري ضعيفة، إلا انه من كبار العلماء.

 

وروي معناه عن عامر الشعبي، ونسبه للأئمة.

 

- من هدي النبي صلى الله عليه وسلم البشارة في الفتوح، فيبشر المجاهدون إخوانهم بانتصاراتهم، ولكن يجب على المجاهدين أن يتثبتوا في الأخبار، وألاّ يذيعوا أمراً من الأمن أو الخوف – من أمور العامة - إلاّ بعد الرجوع إلى أولي الأمر منهم، كما قال تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف اذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).

 

ويحذر المجاهدون من المرجفين والمخذلين ومن ينشر بين المسلمين الأكاذيب، ويجب عليهم أن يأخذوا على يده ولا يمكنوه من مراده، ولو أدى ذلك إلى حبسه أو طرده.

 

-للغنائم أحكام معلومة عند أهل العلم، لا تخفى عليهم، ويعرفون الفرق بين الغنيمة والفيء، إذ لا جهاد بلا غنيمة.

 

لكن حال المجاهدين اليوم في بلاد الشام مختلف، فما يغنمه المجاهدون اليوم من جيش الطاغية القرمطي فإنما يأخذون منه ما يصلح للقتال ويعينهم عليه، لأنّ ما بيد الجيش القرمطي ليس ملكاً له، بل هو مغصوب من المسلمين، فقد صنعوا آلة القتال هذه من أموال المسلمين التي أخذوها منهم بالقوة سنين عددا، فهي ملك مشاع بين المسلمين، فيأخذ المجاهدون منها ما يقويهم على قتال عدوهم، ورد صولته، دون أن يتأثلوا منه متاعا، أو يبنوا منه بنياناً خاصاً، حتى إذا قام للمسلمين إمام جامع تتفق عليه الأمة وتختاره لقيادتها سلموا له ذلك كله.

 

وبيان هذه المسألة أنّ هذا الجهاد جهاد دفع، فالأرض أرض إسلام، وأهلها أهل إسلام، لكن غلب عليهم هذا القرمطي النصيري فاستباح دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وجهاد المجاهدين اليوم هو لدفع هذا العدو الصائل، ولرد بغيه وعدوانه، ولتخليص المسلمين من ظلمهم، فلا يحل للمجاهدين أن يأخذوا شيئاً مما كان تحت أيدي أعدائهم مما هو ملك للمسلمين.

 

نعم إن قتلوا طاغوتاً من هؤلاء الطواغيت فلهم سلبه، وإن فتحوا بلداً من بلدانهم المحاربة فلهم أن يغنموا ما فيها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: أَيُّما قريةٍ عصتِ اللّه ورسولَه، فإنَّ خُمُسهَا لله ولرسوله، وهي لكم».أخرجه مسلم.

 

لكن عليهم أن يعيدوا ما وجدوه مسروقاً مِن أموال المسلمين إلى مالكه، قال البخاري في صحيحه: باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم، أي ماذا يفعل؟ ثم روى حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذهب فرس له فأخذه العدو فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبق عبد له فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي صلى الله عليه وسلم اهـ.

 

فإن لم يعلموا مالكه باعوه وأنفقوا ثمنه على جهاد هذا العدو الباغي.

 

فأرى– والله أعلم - في جهاد أهل الشام هذا أنّ أجرهم كامل على الله عز وجل، لما ثبت في صحيح مسلم من أنّ المجاهد الغازي إذا غنم وأخذ سهمه من الغنيمة فقد تعجل ثلثي الأجر وبقي ثلث، فقال صلى الله عليه وسلم: « ما من غازية تغزو فى سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثى أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم ».

 

وليس في هذا القتال الدائر اليوم غنائم يمتلكها المجاهدون، فأرجو أن يكون أجرهم يوم القيامة كاملا.

 

-يحذر المجاهدون من أعين الكافرين، وهو الجاسوس، أو ما يسميه أهل الشام: الفسفوس، فإن خطره على المسلمين عظيم، ولذا يتفقد الأمير جيشه، ويتعاهدهم، ويوصيهم بالحذر والحيطة، فإذا وجدوا جاسوساً فإن للفقهاء كلام كثير في حكمه، والراجح فيه، والذي نختاره اليوم لأهل الشام: إنه إن قتل بجاسوسيته فإنه يقتل، وأما إن لم يقتل، فإن رأى الأمير أنْ يُكفله أهله أو يوثقه لمصلحة عظمى يرجوها، ككف فتنة، أو ما شابه فله ذلك، وإنْ رأى قتله ليكون عبرةً وعظة وليردع به غيره، وليشرد به من خلفه من العيون، فله ذلك، ويرجع الأمير في تحقيق هذه المصلحة إلى أولي الرأي والعلم والفهم، ولا يستبد بذلك دونهم، وهذا في الجاسوس المسلم.

 

أما الجاسوس المشرك والمحارب فحكمه القتل.

 

-العلماء الذين يرجع إليهم المجاهدون -ويكونون محل البطانة والسمع والطاعة في شؤونهم- هم العلماء العارفون بشؤون الدنيا والدين، وليس كل عالم يصلح لذلك.

 

قال ابن تيمية : والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا اهـ.

 

فهذه قاعدة مهمة في اتخاذ المراجع والمفتين، وإن لم يعملها المجاهدون فإنهم يتسببون بضرر عظيم إما في دينهم وإما دنياهم.

 

-الشهادة غاية ما يطلب الصالحون، ويتمنى المجاهدون، يتأسون بذلك بنبيهم صلى الله عليه وسلم، فقد تمنى أن يقتل في سبيل مرة بعد مرة، وما ذاك إلا لكرامة الشهيد على الله، وفضل الشهيد عظيم، والنصوص الشرعية الواردة في هذا الباب كثيرة، قال تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين).

 

فمما ورد في فضلهم أنهم ينالون رضى الله وتظلّهم الملائكة ويأمنون من الفتنة في القبر ويزوجون بسبعين من الحور وتكون أرواحهم في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل تحت العرش  ولهم دار في الجنة تسمى دار الشهيد هي أحسن دار، ويغفر لهم كل ذنب إلا الدين، لأنه متعلق بحقوق البشر، ولكن لا يمنعه الدين في النفير إلى الجهاد المتعين، كما في حال الجهاد في الشام.

 

ومن أعظم ما روينا في فضائل الشهيد ما أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) قال أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال « أرواحهم فى جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا قالوا أى شىء نشتهى ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا فى أجسادنا حتى نقتل فى سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ».

 

بلغنا الله وإياكم منازل الشهداء.

 

-العمليات الاستشهادية، وهي أن يخترق المجاهد صفوف الكافرين فيقتل نفسه ويقتل المشركين، العلماء فيها طرفان ووسط.

 

فمن العلماء من رأى أنها من الإلقاء إلى النفس بالتهلكة، ومنهم من رأى أنها تجوز مطلقا.

 

والذي أراه جوازها إذا احتاج المسلمون لها، كأن لا يستطيعوا اقتحام بلدة إلا بتفجير حاجز صعب التحصين، فمثل هذه الحال إن تطوع مجاهد لذلك فلا بأس، ويكون شهيدا.

 

والأدلة على جواز العمليات الاستشهادية كثيرة، فمن القرآن قول الله عز وجل (يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون) قرأ حمزة والكسائي (فيُقتلوم ويَقتلون) بتقديم الضم، أي أنهم يُقتلون ويَقتلون بعد قتلهم، وهذه إشارة جلية إلى العمليات الاستشهادية.

 

والأحاديث كثيرة كحديث الغلام الذي دل المك على مقتله، وكذلك قصة الرجل الذي اقتحم صفوف الأعداء بسيفه فقال الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة، ومعلوم أن الذي يقتحم صفوف الأعداء يقتل منهم، لكنه لا يعود، لأنهم سيحيطون به فيقتلونه، فقال لهم أبو أيوب: إنكم تضعون الآية في غير مواضعها، وبين أن هذا ليس من القاء النفس إلى التهلكة، ومثله كذلك الحديث الذي مر بنا آنفا في قصة الرجل الذي سمع من أبي موسى الأشعري ما سمع.

 

ويشهد لهذا المعنى جواب الرسول صلى الله عليه وسلم على سؤال السائل: أي الجهاد أفضل ؟ قال: "من عقر جواده وأهريق دمه"، رواه مسلم.

 

وعقر الجواد واهراق الدم كناية عن اليأس من الدنيا والانقطاع عن الحياة والاقبال على الآخرة.

 

وعن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا لأن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} إنما هو في النفقة، قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير سليمان بن داود الهاشمي وهو ثقة.

 

ولكن لا يتوسع المجاهدون فيها، ولا يلزمون أحدا بها، إنما يستخدموها عند الحاجة، وعند تيقن المصلحة، وتطوع المجاهد.

 

فبهذه الشروط الثلاثة تكون العمليات الاستشهادية.

 

وعن أنس رضي الله عنه قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} إلى آخر الآية رواه البخاري

 

 -على المسلمين أن يرعوا حرمات المجاهدين والشهداء فيخلفوهم في أهليهم بخير، قال صلى الله عليه وسلم « حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين فى أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم »، رواه مسلم.

 

هذا ما تيسر لنا، والله الموفق، وهو المسؤول أن يعز دينه، وينصر حزبه، ويذل أعداءه، ويهزم حزب الشيطان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين