العزيمة والرخصة في زمن المزاودات والاستضعاف

أبو أيمن الحموي
الاثنين 25 شعبان 1438هـ - 22 مايو 2017مـ  13:28

من قرأ كتاب الموافقات للإمام الشاطبي توسعت مداركه الأصولية وتعلم أن ينظر لمقاصد الشريعة الكلية ويرى الأحكام والفروع الفقهية كيف تخدم تلك المقاصد بتناسق وتناغم مُحكَم يؤهل مَن أحكمه للنظر والاستنباط للنوازل التي تعرض عليه.

فمثلًا يحدثك الإمام عن حكم شرعي كالنكاح يكون مستحبًّا في حق الأفراد لكنه واجب في حق الأمة لدوام النسل للأمة المحمدية، وأمثال هذه الفروع تنبئك أن للأمة أحكامًا قد تختلف عن الأفراد، فهل يمكن أن تتحول رخصة في حق الفرد إلى واجب لكونها تخدم مصلحة كلية للأمة؟.
هذا سؤال ينبغي أن يسأله كل مَن نوى أن يخرج من ضيق المنهج والتنظيمات إلى سعة الإسلام والأمة، عندها يرى نفسه مسؤولًا عن الأمة المحمدية كلها لا عن تنظيم أو جماعة فقط.
تخيلوا لو أن عبد الله بن حذافة إذ عرض عليه هرقل أن يقبل رأسه على أن يخلي سبيله وسبيل جميع أسرى المسلمين عنده قال حينها: والله ما كنت لأخضع لطاغوت وأقبل رأسه وأشمته بي وبالمسلمين، وسأحقق البراءة من الطواغيت الذي لا يتم شطر الإيمان إلا به ولأظهرن له العداوة والبغضاء ولو أدى ذلك لهلاكنا وستكون دماؤنا مشاعل تنير الطريق وغير ذلك من الشعارات الرنانة التي يطرحها أهل المزاودات، وأدت فعلًا لهلاكهم فهل يكون بذلك محسنًا أو مسيئًا؟!!
لو كان العرض مقتصرًا على شخصه، تقبّل رأسي وأطلق سراحك! لكان الأمر دائرًا بين العزيمة والرخصة بالنسبة له ولكان رفضه وثباته ولو أدى لهلاكه عزيمة يثاب عليها، وقد أخذ بالعزيمة قبلها إذ حلت له الرخصة حين عرض عليه أن يتنصر وإلا قتله هرقل، فاختار القتل في القدر المغلي، لكن وقد دخلت أرواح أسرى المسلمين في القضية فإن الحكم يختلف، وهنا تجد الفقه الدقيق فمن أخذ بالعزيمة قبل ساعة يعود لينقذ أسرى المسلمين ولهذا قال عمر حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ.
عندما نصح رسولنا المستضعفين من المسلمين بالهجرة للحبشة ومدح ملكها الكافر بأنه لا يُظلَم عنده أحد هل كان أحد ليزاود عليه بأنه مدح طاغوتًا ويلقي عليه دروسًا في البراءة من الطواغيت! وهل كان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- أصلًا ليفكر في مثل هذا وهو يحقق تلك المصلحة العظيمة وهي حفظ عشرات المستضعفين من المسلمين!!
عندما يعلو صوت المزاودات والشعارات الرنانة في صفوف الحركة الإسلامية ينشأ فقه غريب يقوم على اعتبار "الحصانة المنهجية" أول ما يجب تحقيقه ويتم ذلك بأخذ مسافة أمان كاذبة تبعًا لما يطرحه أصحاب المزاودات حتى يشعر الفرد أنه بأمان من الانزلاق والانبطاح ولو أدى هذا إلى ضياع مصالح عظيمة يقوم صلاح الأمة عليها!
أولًا: تلك الحصانة المنهجية المزعومة غير حقيقية فهي لا تحصن من منهج الغلو والتنطع الذي يجرّ إليه فقه المزاودات وقد أثبتت التجربة أن ضرر الغلو على الجماعة الإسلامية أكبر من التمييع إذ إنه يؤدي لمفاسد عظيمة منها تنفير الناس من المشروع الإسلامي جملة إضافة لكونه يذهب بالجماعة ويقضي عليها وهذا مصداق الحديث النبوي: إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى.
ثانيًا: مسافة الأمان التي ترضي أصحاب المزاودات تؤدي إلى طرح سياسي منغلق على نفسه وغير منطقي، إذ إنها لا تقوم على أسس منهجية سليمة مما يجعل الجماعة إذا وجدت نفسها مضطرة لدخول المعترك السياسي عاجزة عن إنتاج سياسة شرعية سليمة، وقد تنزلق وتنحدر إلى أدنى الدركات، وهذا ما حدث لسلفية مصر الذين كانوا يزاودون على الإخوان فلما دخلوا السياسة فجأة دون تصوُّر وإعداد فكري مُسبَق صاروا أسوأ منهم.
ثالثًا: المؤمن أساسًا لا ينبغي أن يشعر بالأمان تجاه ما يسلكه من مواقف سياسية وشرعية فهو دائمًا خائف من مكر الله ((والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون)) صح أنهم الذين يفعلون الطاعات ويخافون ألا تتقبل منهم.
رابعًا: في هذه الأجواء تتضخم الثوابت الحركية لتطرح على أنها ثوابت شرعية فتقدم للجماهير إسلامًا لا يستطيعون أن يقبلوا به بفطرتهم البسيطة مما يمهد الطريق لعزل الجماعة عن محيطها ومن ثَمَّ تصفيتها وهذا ما حدث لأغلب الجماعات التي تبنت المشروع الإسلامي بأدوات جهادية.
وصلى الله على سيدنا محمد.