19 موقفًا مع شيخنا محمد صبحي حلاق -رحمه الله-

تلميذه: أبو إسحاق الحضرمي محمد بن سعيد بكران
الثلاثاء 11 ربيع الثاني 1438هـ - 10 يناير 2017مـ  16:28
19 موقفًا مع شيخنا محمد صبحي حلاق -رحمه الله-
بلغني اليوم 9 ربيع الثاني 1438هـ وفاة شيخنا المحقق محمد صبحي حسن حلاق –رحمه الله- في صنعاء، فأحببتُ أن أدوِّن بعض ما يحضرني من مواقف وفوائد من خلال صحبتي للشيخ –رحمه الله- ولقاءاتي به ومراسلاتي إيَّاه.
أقول:
أوَّل لقاء لي مع شيخنا محمَّد صبحي حسن حلاق -رحمه الله- كان في: 6/7/1423هـ، في جمع من شباب حضرموت في زيارة إلى بيته وأهدانا فيها تحقيقه على "الفتح الرباني" للشوكاني، و"معارج القبول" للحكمي، ثمَّ زرتُه في الليلة التي بعد هذه الليلة، وكتب لي تزكية كنتُ أريد تقديمها لمواصلة الدراسة.
ثمَّ توالت زيارتي له كلَّما سافرتُ إلى صنعاء، ويهدينا غالبًا شيئًا من تحقيقاته وغير تحقيقاته، وأذكر أنِّي زرته بعد زواجي في رجب سنة 1430هـ بصحبة الأهل، وقرأتُ عليه يومها ثلاثيات الإمام البخاري ومقدِّمات بعض كتب الإمام الشَّوكاني وغيرها، وأجازني خطِّيًّا مرتين، وأقام لي وليمة في اليوم الثَّاني بمناسبة زواجي، وفي هذه الزيارة كتبتُ له ترجمة أملاها عليَّ، وناولني بعض ما عنده ممن كتب عنه، وأخبرني أنَّ زوجته كتبت كتابًا بعنوان "زوجي العالِم الذي عرفتُه"، وقمتُ بنشر ترجمته على موقع ملتقى أهل التفسير، وهي الترجمة الأولى له التي تنشر على النت، ونقلها النَّاس بعد ذلك عن ملتقى أهل التفسير.
ثمَّ زرتُه بُعيد أحداث الثورة اليمنيَّة في ربيع أوَّل سنة 1433هـ في بيته الجديد الذي انتقل إليه بعد الأحداث التي حصلت بصنعاء وما أصيب به بيته بمنطقة الحصبة، وهجرته إلى الحديدة مدَّة أسبوعين أو نحوها، وهي الزيارة الأخيرة لي إليه في صنعاء، وتوالت بعدها اتصالاتي به ورسائلي إليه حتى قبل وفاته بشهر وقليل.
وهنا أسجِّل بعض المواقف والدروس والعِبر من حياته رحمة الله عليه:
1) أخبرني أنَّه وُلد في سوريا عام 1372هـ الموافق: 1954م، وأخذ عن علماء الشَّام، وسافر إلى الأردن وجلس بها ستة أشهر، وسافر إلى بلاد الحرمين للحج والعمرة أكثر من مرة، وسافر إلى تركيا أيَّامًا، واستقرَّ به المقام في اليمن حتى وفاته صباح اليوم السبت 9/4/1438هـ.
2) تميَّز شيخنا -رحمه الله تعالى- بتنوع مشايخه وكثرتهم في الأخذ عنهم، ومنهم: الشيخ محمد عبدو ديب –من إدلب-، والشيخ د. نور الدين عتر الحلبي –في حلب-، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحلبي، والشيخ حمد أديب الكيلاني الحموي –في حلب-، والشيخان: عدنان سرميني الحلبي وهشام سرميني الحلبي، والشيخ محمد هاشم المجذوب شافعي عصره وفريد مصره الملقب بالشافعي الصغير –في دمشق-، والشيخ د. محمد سعيد رمضان البوطي –في دمشق-، وفي اليمن حضر مجالس الشيخ القاضي محمد إسماعيل العمراني والشيخ د. عبد الوهاب الديلمي في صنعاء.
وأجازه جماعة من هؤلاء العلماء وغيرهم، وقد جمعهم الشيخ علي ياسين المحيميد في كتابه "تحفة المشتاق بأسانيد الشَّيخ محمد حسن صبحي حلَّاق" رأيتُ مسودته عند شيخنا -رحمه الله- وصورتُ بعضه.
3) أخبرني أنَّه التقى بعدد من علماء العصر، ومنهم:
- الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- وهو صغير، ثم التقى به في الأردن وأثنى الشيخ الألباني على تحقيق الروضة الندية وأوصاه بالتثبت، ودار بينهم نقاش حول أخذ ما زاد على القبضة من اللحية؛ لأنَّ لحية شيخنا طويلة فوق القبضة وزيادة.
- الشيخ المحدث مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- ثلاث مرَّات.
- الشيخ المحدث عبد المحسن العباد -حفظه الله- في بيته بالمدينة، وكان اللقاء في مواضيع ومنها حول كتاب تطهير الاعتقاد للصنعاني.
- الشيخ المحدّث حمَّاد الأنصاري -رحمه الله- بالمدينة، وكان موضوع اللقاء نقاشًا حول إطالة التحقيق وأهمية التخفيف في التحقيق.
- الشيخ المقرئ عبد العزيز عيون السود -رحمه الله-.
4) شغل عددًا من الأعمال والوظائف، ومنها: عمل شيخنا إمامًا وخطيبًا في محافظة دمشق لمدة أربع سنوات، وكذا عمل إمامًا ومدرسًا في محافظة إدلب لمدة ست سنوات.
وأمَّا في اليمن: فعمل إمامًا وخطيبًا في صنعاء لمدة تسع سنوات، ودرَّس كلًّا من الفقه والأصول والحديث والمصطلح والمواريث، في معهد صنعاء العلمي بأقسامه الثلاثة -لمدَّة ثماني سنوات-، وعمل موجهًا في إدارة الثقافة والنشاط الاجتماعي التابع لوزارة التربية والتعليم في اليمن لمدة خمس سنوات، وغير ذلك من الأعمال. 
5) لم يعتنِ شيخنا بالتأليف كثرةً قدر عنايته بالتحقيق وإخراج النصوص المحققة وإحياء التراث، وكتبه المحققة المطبوعة شاهد عيان على ذلك، بدار ابن الجوزي بالدمام، ومكتبة الرشد بالرياض، ومكتبة المعارف بالرياض، ودار ابن كثير بدمشق، وغيرها من دور النَّشر التي طبعت للشيخ كتبه وتعاقدت معه في ذلك.
6) أول كتاب ألَّفه "الفوائد المجتمعة لخطيب الجمعة"، وأول كتاب حققه "الدراري المضيّة، شرح الدرر البهية في المسائل الفقهية" للإمام الشوكاني، وهو مُقرَّر في جامعة الإيمان بصنعاء.
7) كتاب "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير" حققه شيخنا محمد صبحي بن حسن حلاق -رحمه الله- وهو من المشاريع العلمية لصالح دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام.
8) حدَّثني شيخنا محمد صبحي بن حسن حلاق -رحمه الله- أنه رأى في المنام الإمام الشوكاني، وهو مسرور لما يقوم به من تحقيق لكتبه ونشرها بين المسلمين، وشعر منه شيخنا بالرضا، والدعاء له.
ثم أخبر شيخُنا حلاق شيخَه القاضي محمد إسماعيل العمراني -حفظه الله- بهذه الرؤيا، ووصف الرجل الذي رآه في المنام، فقال له القاضي العمراني: إنه الإمام الشوكاني. وذلك أنَّ القاضي العمراني يعرف الشوكاني عندما رآه في قبره بعد فترةٍ من الزمن وحفر قبر الشوكاني لحادثةٍ حصلت وأرادوا نقل جسده، فرآه الشيخ العمراني، ونزل إلى قبره.
9) ذكر لي شيخنا -رحمه الله- قصته مع كتاب "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني" الذي طبع بمكتبة الجيل الجديد بصنعاء، وقد سمعتُ هذه القصة من شيخنا أكثر من مرة، وهي كالتالي:
لـمَّا دخل شيخنا صبحي حلاق اليمن في عام 1981م تقريبًا، كان كثير التردد على مكتبة دار القدس بصنعاء، أيام كان يتواجد فيها الشيخ عبد الله اليزيدي وعبد القادر باغويطة -حفظهما الله-، وفي مرةٍ من المرات لقي فيها شيخًا كبير السن، ألا وهو القاضي العلّامة محمد بن إسماعيل العمراني -حفظه الله- وتعرَّف عليه، وذكر له أنه يحب الشوكاني ويحب كتبه، فأخبره القاضي العمراني أنه يوجد عنده بعض الأجزاء من كتاب "الفتح الرباني" للشوكاني، فأعطاه ما عنده من الأجزاء، والكتاب مكوَّن من "خمسة أجزاء" ثم تابع شيخنا حلاَّق -رحمه الله- بقية الأجزاء هنا وهناك، حتى اجتمع له "الجزء الأول والثاني والثالث والخامس" أما الرابع فلا، فسأل عنه، فأخبره المقحفي -من المسؤولين عن مكتبة الجامع الكبير-: أنَّه خرج من المكتبة من فترة بعيدة ولم يعد، فهو مفقود.
لكن عزم شيخنا استمرَّ في البحث عن الجزء الرابع هنا وهناك لعله يجده.
وفي يوم من الأيام وشيخنا -رحمه الله- في بيته إذ بطارق على الباب، ففتح شيخنا -رحمه الله- فإذا هو برجل غريب لا يعرفه، يقول له: هل تشتري مني هذا؟ فنظر شيخنا -رحمه الله- فيه فإذا هو الجزء الرابع من "الفتح الرباني" صورة منه، فحمد الله، فقال الشخص الغريب: أريد ثمانين ألف يمنيّ، فقال شيخنا -رحمه الله: أعطيك ستين ألفًا. فقال الغريب: بل ثمانين ألفًا. فدفع له شيخنا -رحمه الله- ما أراد من المبلغ، وسأله من أين أتى به؟ وما اسمه ليثبته على الكتاب، فرفض، وأخذ الفلوس، وولَّى.
قال شيخنا -رحمه الله: فاتصلت على القاضي العمراني وأخبرته ففرح، فجاء من بيته في ساعتها فرحًا، وقال: ابدأ التحقيق. فبدأ شيخنا -رحمه الله- التحقيق، حتى خرج الكتاب للناس في طبعته هذه اليوم في 12 مجلدًا.
10) حدَّثني مرَّة فقال: أنا لا أحب الكتب والتحقيق، بل أعشق الجلوس مع الكتب والتحقيق.
11) قد يظن البعض أن شيخنا -رحمه الله- يحسن استخدام الكمبيوتر وآلات البحث الحديثة، والمكتبة الشَّاملة، ولكن شيخنا على عكس ذلك تمامًا فهو لا يحسن استخدام الكمبيوتر ولا الإنترنت إلى آخِر عهد لي به سنة 1433هـ، ولكن شيخنا يكتب بيده كل ما يحقق، ولديه نعمة عجيبة في الصبر على قراءة المخطوطات، فهو يجلس يوميًّا على التحقيق اثنتي عشرة ساعة، من السادسة صباحًا إلى السادسة مساءً عدا الجمعة، هكذا أخبرني -رحمه الله-، وفي السَّنوات الأخيرة أخبرني أن لديه بريدًا إلكترونيًّا ويستخدم الواتساب، وبيني وبينه تواصل بالواتساب كثيرًا.
12) أخبرني أنَّ كتابه "اللباب في فقه السنّة والكتاب" طُبع باللغة الأردية، وأرسل لي صورة غلافه، وأخبرني بأن طالبًا من كشمير أرسلها له.
13) كتب لي مرَّة ما يلي:
" يظن بعض الناس أن تحقيق الكتاب المخطوط لا يعدو أن يكون شكليًّا، لا يخرج عن مقابلة النسخ دون مجهود ذهني يُذكر من المحقق، وهذا حكم مَن لم يمارس تحقيق المخطوطات، ولم يذق عناءه ومرارته ويكتوِ بناره، والواقع أنَّ التحقيق عملٌ مضنٍ، وعقبة كؤود، وليس بالأمر الهيِّن ، بل يحتاج إلى صبرٍ ومصابرة، وفطنة ويقظة، في تقليب الكلمة على كافة وجوه احتمالاتها، حتى يصل به الفكر إلى قرارٍ تطمئنُّ إليه نفسه، ويرتاح ضميره بأنه أصاب ما قصد المؤلف، وقد قال بعض الأدباء: إنشاء عشر ورقات من حرِّ اللفظ وشريف المعاني أيسر من إتمام نقصٍ أو إصلاح تصحيف أو كلمة ساقطة، حتى يستقيم الكلام ويتصل، فلذا كان العمل في تحقيق المخطوطات يحتاج إلى دقة وانتباه وحذر، مع تقوى الله -سبحانه- فيما يقوم به من عمل فلا يحاول أن يزيد حرفًا أو كلمة من عنده دون الإشارة إلى ذلك بالطرق المصطلح عليها، وذلك عند الضرورة.
14) كان شعاره دائمًا: الإخلاص والإنصاف في النقد والإطراء.
15) ينتقد بعض اليمنيين إخراج شيخنا -رحمه الله- كتب أهل اليمن كالشوكاني والصنعاني وغيرهما، قال شيخنا -رحمه الله-: "لقد أعجبني شيخي العمراني -حفظه الله- عندما قيل له: هذا حلاق سوري يحقق التراث اليمني. فقال: نمتم فجاء هذا السوري ليخرج لكم تراثكم، جزاه الله خيرًا".
16) تميَّز شيخنا بتخصصه بكتب علماء أهل اليمن وعلى رأسهم الإمامان الشوكاني والصنعاني، وأصبح له بكتبهما اختصاص، فهو أدرى بما فيها من غيره.
17) أخبرته بوفاة الشيخ شعيب الأرناؤوط -رحمه الله- فكتب إليَّ: "رحم الله الشيخ شعيب الأرناؤوط رحمة واسعة وأسكنه في عليين، اللهم تجاوز عنه وأكْرِم نزله واخلف الأمة خيرًا، لقد ثُلم سيف الإسلام بموت الشيخ شعيب، وهكذا بموت العلماء يُثلم سيف الإسلام".
18) سألته قائلًا له: الشيخ شعيب الأرناؤوط -رحمه الله- هل أكمل تحقيقه للمستدرك؟
فقال -رحمه الله-: لا. لم يكمله والكتاب يحتاج إلى جهد كبير جدًّا، أنا لو وجدتُ دارًا تطبعه لعملته على ست مخطوطات نادرة، وبعضها قريب من عصر الحاكم على مستوًى عالٍ بـ: 16 مجلدًا.
19) سألته قائلًا له: ما أحب كتبكم وتحقيقاتكم إلى قلبك، رأيتَ النَّاس انتفعت به؟
فقال -رحمه الله-: (أحبها هو "نيل الأوطار" و"فتح القدير" لابن الأمير، والآن "فتح الباري" يخرج إن أطال الله العمر بـ: 36 مجلدًا، و"النيل" نموذج مصغر عن "الفتح").
ثم قال: (وأبشر؛ من فترة طويلة سلَّمتُ دار ابن الجوزي الكتب التالية -محققة ومراجعة-:
- صحيح مسلم بشرح النووي 13 مجلدًا، على 6 مخطوطات.
- الترغيب والترهيب للمنذري، على ست مخطوطات، بمجلد.
- زاد المعاد لابن القيِّم، على 17 مخطوطًا، يخرج بـ: 6 مجلدات.
- فتح القدير للشوكاني، على مخطوطتين، إحداهما بخط الشوكاني، ويخرج بـ: 16 مجلدًا.
- التنوير شرح الجامع الصغير، لابن الأمير، محقق على 4 مخطوطات، ويخرج في 14 مجلدًا).
ثم قال: (والأهم "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" لابن حجر، الهدي مقدمة الفتح على 4 مخطوطات، والصحيح على 3 مخطوطات، والفتح على 12 مخطوطًا، وتوفرت عندي طبعة اليونيني والسلفية والبابي الحلبي وكل طبعات هذا الشرح، منذ 10 سنوات أعمل به، ينتهي إن شاء الله بعد سنتين، ويبلغ 40 مجلدًا بعون الله). 
وقال: (أنا نويتُ أن يكون الفتح خاتمة أعمالي، بكلِّ ما أُوتيتُ من علم ومعرفة) ثم ذكر لي منهجه في تحقيقه. وهذه من آخِر مراسلاتي معه قبل عدَّة أسابيع.
فهذه مواقف وفوائد كتبتُها بحسب ما تحضرني الذَّاكرة ووجدته بين يدي الآن، والمواقف مع شيخنا -رحمه الله- كثيرة، ويكفيه فخرًا في خدمة تراث الأمة تحقيقاته لكتب الإمامين الشوكاني والصنعاني -رحمهما الله تعالى، فأسأل الله -تعالى- أن يغفر له ويرحمه، ويثبته بالقول الثابت في قبره، ويرفع درجته في عليين، وأن يجزيه خيرًا على ما قدَّم لأمة الإسلام... اللهم آمين آمين.