حجية العمل بالسياسة الشرعية

د. سعد بن مطر العتيبي
الأربعاء 04 جمادى الأولى 1438هـ - 01 فبراير 2017مـ  16:54

يمكن إجمال ما استُدِل به على النحو الآتي:

النهج الأول: الاستدلال بشواهد السياسة الشرعيَّة من القرآن العظيم، والسنَّة النبويَّة، وسنَّة الخلفاء الراشدين، وما جرى عليه عمل العلماء من أهل الفقه والدِّين؛ وهذه من الكثرة بمكان؛ لذا يكتفى بذكر بعضها:

فمن شواهد السياسة الشرعية من القرآن العظيم:

1- ما حكى الله تعالى في سورة الكهف، من أعمال الخضر التي اعترض عليه بسببها موسى - عليهما الصلاة والسلام - لِمَا ظهر له من مخالفتها للشرع؛ فلما نبَّأه بتأويلها وبين له ما قصده فيها من السياسة المبنيّة على المصلحة سلَّم له.

قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: "... قصة الخضر مع موسى لم تكن مخالفة لشرع الله وأمره، ... بل ما فعله الخضر هو مأمور به في الشرع بشرط أن يعلم من مصلحته ما علمه الخضر؛ فإنَّه لم يفعل محرما مطلقا، ولكن خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار؛ فان إتلاف بعض المال لصلاح أكثره هو أمر مشروع دائما، وكذلك قتل الإنسان الصائل لحفظ دين غيره أمر مشروع ... فهذه القضية تدل على أنَّه يكون من الأمور ما ظاهره فساد؛ فيحرِّمه من لم يعرف الحكمة التي لأجلها فعل، وهو مباح في الشرع باطناً وظاهراً لمن علم ما فيه من الحكمة التي توجب حسنه وإباحته "[1].

2- قول الله عز وجل في سورة يوسف: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 26، 27]؛ ففي هذه الآيات دلالة على صحة الاعتبار بالقرائن، ودلالة الحال، في القضايا السياسية الاستنباطية؛ حيث ذكر الله عز وجل شهادة هذا الشاهد، أي الشخص الذي شهد ليوسف صلى الله عليه وسلم بذكره شاهد الحال، الذي هو قدّ القميص من دبر؛ لأنَّ فيه تقديرا: شهد شاهد فقال أو ضمنت الشهادة معنى القول؛ وذلك أنَّ العادة جرت في القميص أنَّه إذا جذب من جهة (الخلف مثلاً) تمزق من تلك الجهة، ولا يجذب القميص من خلف لابسه إلا إذا كان مدبراً؛ فكون القميص مشقوقاً من هذه الجهة دليل واضح على أنّه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه، ولم ينكر عليه ولم يَعِبْه؛ بل حكى ذلك مقرِّراً له.

3- قــول الله عز وجل في سورة الأنبياء: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 78، 79]؛ فهـذان الحكمان صحيحان في الظاهر؛ غير أنَّ الله تعالى أثنـى على الحكم المبني على السياسة الشرعية، والفائدة الزائدة؛ حيث قال الله عز وجل: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾.

4- قول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة: ﴿ وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118]؛ فإنَّ عقاب الثلاثة بالهجر على تخلفهم عن الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك، ومنعهم من قربان نسائهم وهو منع من أمور مباحة لهم في الأصل، مع الاكتفاء بقبول اعتذار غيرهم من المتخلفين، هو من مقتضيات السياسة الشرعية.

قال ابن العربي: "فيه دليل على أنَّ للإمام أن يُعاقب المذنب بتحريم كلامه على النَّاس أدباً له ... وعلى تحريم أهله عليه".

ومن شواهد السياسة الشرعية في السنَّة النبوية:

1- قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ((لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا)) متفق عليه؛ فتأسيس البيت على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر مطلوب، لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم؛ خوفاً من مفسدة أعظم من مصلحته؛ وهذا  من أحكام السياسة الشرعية.

2- تولي خالد بن الوليد رضي الله عنه إمرة المسلمين في غزوة مؤتة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُؤَمِّرْه فيها، بل أثنى عليه، مع ذكره تأمُّرَه من غير تأمير منه، والحديث رواه البخاري؛ وإنَّما مستند خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه من الصحب الكرام: اقتضاء السياسة الشرعية المبنية على المصلحة الشرعية  لذلك؛ إذ كانت السياسة الشرعية تقتضي وجود قيادة للجيش، وليس ثَمَّ نص يُرجع إليه.

3- وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ)) متفق عليه؛ وهذا من السياسة الشرعية.

4- قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استأذنه في قتل عبد الله بن أبي رأس المنافقين: ((دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)) متفق عليه؛ حيث مُنِعَ من قتل المنافقين في ابتداء الإسلام؛ لأنَّ مصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.

ومن شواهد السياسة الشرعية من سنَّة الخلفاء الراشدين:

1- جمع أبي بكر الصديق رضي الله عنه للمصحف رواه البخاري؛ لمَّا كثر القتل في القراء.

2- أمر عمر رضي الله عنه بجلد شارب الخمر ثمانين جلدة، وكان شارب الخمر يجلد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر رضي الله عنه، وصدراً من خلافة عمر رضي الله عنه، أربعين. متفق عليه؛ فهذا من السياسة الشرعية. قال النووي - مُبَيِّناً حجة الشافعي ومن وافقه في أنَّ حدَّ الخمر أربعين، وما زاد تعزير -: "وأمَّا زيادة عمر، فهي تعزيرات، والتعزير  إلى رأي الإمام: إن شاء فعله وإن شاء تركه؛ بحسب المصلحة في فعله وتركه؛ فرآه عمر ففعله، ولو يره النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا علي فتركوه.

3- تحريق عثمان رضي الله عنه للمصاحف المخالفة للمصحف الذي جمع النَّاس عليه؛ فهذا عمل بمقتضى السياسة الشرعية.

4- تحريق علي رضي الله عنه للزنادقة؛ فهذا من السياسة الشرعية. قال ابن القيم: " ومن ذلك [السياسة الشرعية] تحريق علي رضي الله عنه الزنادقة والرّافضة، وهو يعلم سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الكافر؛ ولكن لمَّا رأى أمراً عظيماً، جعل عقوبته من أعظم العقوبات؛ ليزجر النَّاس عن مثله".

وشواهد ذلك كثيرة جدّاً. هذا مجمل ما استدلَّ به العلماء على حجيَّة العمل بالسياسة الشرعية، وهذه بعض شواهده، من القرآن العظيم، ومن السنَّة النبوية، وسنَّة الخلفاء الراشدين؛ وغيرها من الأدلَّة والشواهد كثير؛ وما عُرِض من تطبيقاتٍ، كافٍ في تأكيد حجيَّة العمل بها، وأنَّها من مستندات الفقه الشرعي، التي يلتزمها أولوا الأمر العادلون؛ والأمر في ذلك بيِّنٌ و لله الحمد والمنَّة.

النهج الثاني: الاستدلال بـ(أدلَّة أصول السياسة، ومستنداتها) وهذه ستأتي مفردة إن شاء الله تعالى في موضوع: أسس السياسة الشرعية.

النهج الثالث: الاستدلال بما ورد من النصوص في إثبات قاعدة (رفع الحرج)؛ التي لها تعلق بجميع أصول السياسة الشرعية، وسيُكتَفي بما يُنثر من أدلتها في الاستدلال لأسس السياسة الشرعية، إذ إنَّها لا تنفك عنها.

النهج الرابع: الاستدلال بسنَّة الله عز وجل في التشريع منذ بدء الخلق؛ من حيث مراعاتها في اختلاف الأحكام والشرائع، واختلافَ الأزمان والأحوال؛ فظهر أنَّها سنَّة الله عز وجل في سائر الأمم؛ وأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه؛ فيكون في ذلك تنبيه إلى اختلاف الأحكام عند اختلاف الأحوال في زماننا؛ وأنَّها من قواعد الشرع، وأصول القواعد؛  وليست بدعاً عما جاء به الشرع.

ـــــــــــــــــ

[1] وهناك توضيح لهذا الحكم، سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث عن حجية المصلحة المرسلة ضمن أسس السياسة الشرعية.