حظر التجول وأحكامه الفقهية ملخص بحث الأحكام الفقهية المتعلقة بحظر التجول

سعيد بن سالم آل حرفوف
الأربعاء 18 جمادى الأولى 1438هـ - 15 فبراير 2017مـ  19:22

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل الله فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون الشريعة الإسلامية خاتمة للشرائع السماوية واقتضت حكمته تعالى أيضًا أن تكون هذه الشريعة متصفة بالكمال والشمول والوضوح مما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان.
ولذا فإن الشريعة الإسلامية قد اعتنت بجميع جوانب الحياة المختلفة. فما من حادثة تحدث ولا نازلة تنزل بالمسلمين إلا وفيها أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الوحيَيْنِ ما يكشف عنها ويبين حكمها.
ومن تلك النوازل مسألة حظر التجول.
أهمية الموضوع:
- يعتبر هذا الموضوع من النوازل المستجدة التي تتطلب مزيدًا من البحث والتحرير؛ لتعلقه بمعاش الناس وتحركاتهم؛ وخصوصًا أنه ما زال يتكرر وقتًا بعد وقت كما هو ملاحظ هذه الأيام.
- أن هذا الموضوع أصبح واقعًا ملموسًا ومعمولًا به ؛ يلجأ إليه صناع القرار السياسي في البلدان التي تكثر فيها الاضطرابات السياسية، إلى غير ذلك من الأسباب التي يأتي ذِكرها في ثنايا البحث.
وكان البحث فيما يتعلق بالمسائل الواجبة دون غيرها، وفيما يتعلق بالحظر الجزئي سواء الزماني أو المكاني، دون الحظر الكلي لندرة وقوعه.
وتكوَّن البحث من مقدمة، وتمهيد، وخمسة فصول، وخاتمة، وفهارس.
ومن أهم المسائل التي تناولتها في البحث ما يلي:
- معنى حظر التجول: وهو منع الناس من التحرك في طرق البلد أو التنقل فيه، لظروف استثنائية، لمدة زمنية معينة، من قِبل من له السلطة بذلك.
- أن هناك فرقًا بين حظر التجول والإقامة الجبرية ومن ذلك:
- أن المُصْدِر للحظر السلطة التنفيذية، بينما الآمر بالإقامة الجبرية هو القاضي.
- أن الحظر لا يختص بشخص واحد، بل هو عامّ يشمل جميع مَن في البلد، بخلاف الإقامة الجبرية فإنها تختص بأشخاص معينين، وقد تختص بشخص واحد.

3- أن الإقامة الجبرية تعد عقوبة، وهي من بدائل السجن، ولا يعاقب بها إلا محكوم عليه بسبب جرم، بخلاف الحظر فإن المشمولين به لم يرتكبوا جرمًا، ولا يعد في حقهم عقوبة، بل قد يفرض للحفاظ عليهم.
- أن إصداره من اختصاصات رئيس السلطة التنفيذية، والأولى أن يكون ذلك إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ حتى يكون ذلك عائقًا أمام استغلال السلطة التنفيذية لصلاحياتها؛ ولأجل عدم الخروج عن الهدف الذي لأجله شرع الحظر. ومما يوازي السلطة التنفيذية في الفقه الإسلامي الخليفة أو الإمام أو الحاكم أو الوالي، وهو المسؤول الأول عن جميع ما يحدث في بلاده، وقد جعل الفقهاء من واجبات الإمام المحافظة على الأمن، والنظام العامّ في الدولة.
- أنه يعلن عن طريق كافة وسائل الإعلام الرئيسية، من قنوات تلفزيونية وإذاعية رسمية، وصحف ومجلات ورقية أو إلكترونية رسمية.
- أسبابه، فهي تعود في الجملة، إلى الحالة الأمنية، سواء كانت سياسية -وهذا هو الغالب- أو صحية.
ومن أمثلة ذلك:
عند تفاقم الموقف الميداني، أو كانت هناك دعوات للتجمهر والمظاهرات غير السلمية أو السلمية في بلد لا يأذن بمثل ذلك، أو لأجل إخماد فتنة، أو لوجود هجوم مسلح، أو قد يكون بسبب الرياح المحملة بالأتربة التي تعيق الحياة الطبيعية وفى جميع المجالات، أو يخشى انتشار الأمراض الوبائية المعدية ، أو تسربات الإشعاعات والمفاعلات النووية، ونحو ذلك.
- أنواعه باعتبار الزمان نوعان: جزئي وكلي، وباعتبار المكان نوعان: عامّ وخاصّ.
- حكمه ويختلف باختلاف المُصْدِر له، وأسباب فرضه، وبيان ذلك على النحو التالي:
أ‌- إن كان المُصْدِر له كافرًا، في بلاد إسلامية، ففرضه حرام وهو اعتداء وظلم، ويجب وجوبًا حتميًّا على المسلمين جميعًا السعي لرفعه بشتى السبل، ورفعه نوع من الجهاد المشروع.
ب‌- إن كان المُصْدِر له مسلمًا يختلف الحكم باختلاف الأسباب التي أدت لفرضه.
وبيان ذلك على النحو التالي:
1- إن كان سببه أمنيًّا سياسيًّا فلا يخلو من أحوال:
الحالة الأولى: أن يتيقن المُصْدِر له وقوع مفاسد أعظم من فرضه، أو يغلب على ظنه، مثل المظاهرات غير السلمية، أو السعي للانقلاب على السلطة، أو اتفاق جماعات على السعي في إزهاق الأرواح وإفساد الممتلكات، ونحو ذلك، فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن يفرضه ويصدره ؛ سدًّا للذريعة وحفاظًا على الدولة، والأرواح والممتلكات.
والمخالِف للحظر هنا يعد عاصيًا، ومستحقًّا للعقوبة ؛ لوجوب طاعة ولي الأمر.
الحالة الثانية: أن لا يتيقن وجود تلك المفاسد بل يشك في وجودها، فهنا تعارضت مفسدتان لا يعلم أيهما أعظم، وأولهما فرض الحظر ومنع الناس من الخروج لعباداتهم، ومصالحهم، والثانية خشية وقوع المفاسد التي قد تؤدي إلى الإخلال بالأمن، وإزهاق الأرواح وإفساد الممتلكات. فهنا الأمر يعود إلى اجتهاد الحاكم وإلى أهل الحل والعقد والاختصاص.
 ومتى ما صدر وجب على الناس التقيد به وعدم مخالفته.
الحالة الثالثة: أن يتوهم المُصْدِر له وجودَ المفاسد، أو يُصدِره تعسُّفًا، فإن فرضه في مثل هذه الأحوال حرام ولا يجوز؛ لما في ذلك من التضييق على الناس، وفوات عباداتهم وضياع مصالحهم.
والمخالف له في هذه الحالة لا يعد عاصيًا، وعلى أهل الحل والعقد السعي لرفعه ؛ لِمَا في ذلك من الضرر البالغ على الناس، والتضييق عليهم، وفوات عباداتهم وضياع مصالحهم. وقد تضافرت النصوص من الكتاب والسنّة، على رفع الحرج ودفع الضرر.
2- إن كان سببه أمنيًّا صحيًّا:
فإذا تيقن المُصْدِر له، وأهل الاختصاص، وجود المفسدة، أو كانت المصلحة متيقنة أو راجحة في فرضه، فيجب حينئذ إصداره حفاظًا على أرواح الناس.
- آثار حظر التجول في العبادات:
ومن ذلك أثره على الأذان، فلو أن السلطات فرضت الحظر، ومنعت الناس من الخروج من منازلهم، وبالتالي مُنع المُؤَذّنون من الأذان في المساجد، فهل يعد ذلك عذرًا في سقوط الأذان عنهم؟ الصحيح أن الأذان يسقط عنهم في المساجد بسبب الحظر ويسقط عنهم الإثم ؛ لأن من الأعذار المُسقِطة للواجبات الخوفَ والإكراهَ، وهما منطبقان هنا وبيان كونهما عذرين ما يلي:
فأما الخوف فيشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر -قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلى" (وإن كان في سنده مقال، ولكن تشهد له نصوص الشرع الدالة على رفع الحرج والمشقة وإزالة الضرر، بل ونقل الإجماع على ذلك فقد قال ابن حزم: ومن العذر للرجال... فأما المرض والخوف فلا خلاف في ذلك.
ومن تأمل ما يترتب على الحظر من مخالفة يعلم انطباق هذا العذر.
وأما الإكراه فقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوَزَ لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه.
وللإكراه شروط منها: أن يكون المكرِه قادرًا على إيقاع ما هدَّد به، ومنها أن يكون المكرَه عاجزًا عن دفع ما أُكْرِه عليه، ومنها أن يغلب على ظن المكرَه أن المكرِه سيوقع ما هدَّد به، ومنها أن يكون التهديد عاجلًا غير آجِلٍ.
ومن الملاحظ أن هذه الشروط تنطبق على المُصْدِر للحظر ؛ فهو قادر على إيقاع ما هدَّد به، ويغلب على ظن المحظور عليه إيقاعُ ذلك به.
وبهذا وذاك يظهر أن الحظر يعد عذرًا في سقوط وجوب الأذان في المساجد، لكن لا يعني ذلك ترك الأذان مطلقًا بل يجب على أحدهم أن يؤذن في البلد، ولو من فوق سطح بيته ليعلم الناس دخول أوقات الصلوات التي لا يجوز الاتفاق على ترك مراعاتها، وهو أمر ميسور لا يشقّ على المؤذن ولا على غيره، ولا علاقة للحظر بذلك.
- أثره على صلاة الجمعة.
قد تلجأ السلطات لفرض الحظر وقت صلاة الجمعة خشية خروج الناس بعدها للتظاهرات أو التخريب أو الإفساد وإخلال النظام، فلو فُرض فهل يعد عذرًا في تركها؟
الصحيح أن ذلك يعد عذرًا لترك الجمعة، ولا يصح أن تصلى جماعة في أحد البيوت، بل تُصلى ظُهْرًا جماعةً إن تيسر ذلك.
- أثره على صلاة الجماعة.
قد تلجأ السلطات لفرض حظر التجول، وتمنع الناس من الخروج من منازلهم، وبالتالي الخروج للصلوات في المساجد، فهل تجب الصلاة عليهم جماعة في المساجد؟ وهل يعد ذلك المنع عذرًا في ترك الصلاة في المساجد جماعة؟
الذي ترجح أن الجماعة فرض عين، إلا أنها ليست بشرط لصحة الصلاة، فتصح صلاة مَن صلى وحده من غير عذر مع الإثم بترك الجماعة.
وقد ذكر الفقهاء جملة من الأعذار التي تسقط بها صلاة الجماعة في المسجد ومنها:
المطر الشديد الذي يشق معه الخروج للجماعة، الريح الشديدة ليلًا لِمَا في ذلك من المشقة، البرد الشديد ليلًا أو نهارًا، وكذلك الحر الشديد ـ والمراد البرد أو الحر الذي يخرج عما ألفه الناس أو ألفه أصحاب المناطق الحارة أو الباردة، الوحل الشديد الذي يتأذى به الإنسان في نفسه وثيابه، ولا يؤمن معه التلوث، الظلمة الشديدة، ـوالمراد بها كون الإنسان لا يبصر طريقه إلى المسجدـ، الخوف وقد سبق نقل الإجماع على ذلك، حضور طعام تشتاقه نفسه وتنازعه إليه، مدافعة أحد الأخبثين، أكل ذي رائحة كريهة، غلبة النعاس والنوم، إلى غير ذلك من الأعذار التي ذكرها الفقهاء رحمة الله عليهم، ومن تأملها علم أن الحظر أولى بالاعتبار من تلك الأعذار؛ لما يترتب على مخالفته من ضرر يلحق بالنفس والأهل.
- أثره في الجمع بين الصلاتين.
إذا خاف الإنسان على نفسه أو أهله أو ماله بسبب الحظر وتكرار خروجه للمسجد من أجل صلاة الجماعة، فهل يجوز له الجمع بين الصلاتين لأجل ذلك؟
هذا مبني على الخلاف في الجمع من أجل الخوف؛ لوجه الشبه بين حالة الحظر والخوف، والصحيح صحة الجمع لذلك؛ لمفهوم حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر). فأفاد استقرار جواز الجمع لأجل الخوف في عهدهم، وإلا لما كان لذكره في حديث ابن عباس رضي الله عنه فائدة، وبناء عليه يجوز الجمع بين الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، من أجل الحظر.
- أثره على صلاة العيد.
 قد تلجأ السلطات لفرض حظر التجول، وتمنع الناس من الخروج من منازلهم، وبالتالي الخروج لصلاة العيد، فهل تجب عليهم صلاة العيد؟ وهل يعد ذلك المنع عذرًا في تركها؟
الذي ترجح أن صلاة العيدين فرض كفاية، وبما أنه قد سبق أن الحظر يعد عذرًا في ترك الجمعة وهي فرض عين إجماعًا، فمن باب أولى أن يعد الحظر هنا عذرًا في ترك صلاة العيدين، ومع ذلك فيجب التنبيه إلى أن السلطات لو فرضت الحظر يوم العيد فقط فإنه يجب على الناس تدارك ذلك بالخروج لصلاة العيد من اليوم التالي من يوم عيد الفطر ولثلاثة أيام من يوم عيد الضحى؛ لحديث أنس رضي الله عنه أنه قال (غمَّ علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب في آخِر النهار، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلم الناسَ أن يُفطِروا من يومهم، وأن يخرجوا غدًا لعيدهم)، والأمر يقتضي الوجوبَ.
- أثره في الصلاة على الميت.
يستحب الإسراع بتجهيز الميت باتفاق الفقهاء، وتسنّ لها الجماعة بلا نزاع، لكن لو فرض الحظر فهل يُصلى عليها – لسقوط الواجب بصلاة مكلف واحد - بعد التحقق من الموت، أم ينتظر حتى يزول الحظر؟ الأولى أن ينتظر وتؤخر الصلاة عليها؛ لأن الدفن غير متحقق مع الحظر، فلا جدوى أن يصلي عليها شخص واحد ثم ينتظر قدوم الناس للدفن، مع أن وقت الحظر لا يطول غالبًا، وخصوصًا نص الفقهاء على أعذار يجوز معها تأخير الصلاة على الميت ويقاس عليها الحظر ومن تلك الأعذار: انتظار حضور ولي الميت، انتظار مائة أو أربعين رجلًا للصلاة عليه إلى غير ذلك.
- أثره في دفن الميت.
أوجب الله على المسلمين دفن موتاهم، وهو من فروض الكفايات إجماعًا، واستحب العلماء الإسراعَ بدفنه من حين موته ؛ خوفًا من تغيره، وأن تأخر الدفن لعذر فلا حرج بل وقد استحب ذلك بعض أهل فقد قال ابن حزم (ونستحب تأخير الدفن ولو يومًا وليلة, ما لم يخف على الميت التغيير، لا سيما من توقع أن يغمى عليه. وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ضحوة, ودفن في جوف الليل من ليلة الأربعاء... وروينا عن الحسن قال: ينتظر بالمصعوق ثلاثًا) ووجه تأخير دفن الرسول؛ ليتمكن أكثر عدد من المسلمين من شهود دفنه، ولأن الصحابة طال تشاورهم في موضع دفنه. فيقاس عليه غيره.
وعليه فلو مات شخص ومُنع الناسُ من دفنه وتشييعه بسبب الحظر، فلا حرج في تأخير دفنه إلى حين رفعه؛ لقصر مدة الانتظار، ولأنه لا يخشى تغيُّر الميت بذلك الانتظار.
- أثره في التمكن من أداء الزكاة.
وأعني بذلك: هل يشترط لوجوبها، أن يتمكن المزكي من الأداء بحيث لو تلف المال مثلًا بعد وجوب الزكاة، وقبل إمكان الأداء فهل يزكي؟ وصورة ذلك في الحظر بأن تجب عليه الزكاة بحلول الحول، ثم يفرض الحظر وأثناء مدة الحظر يتلف المال، فهل تلزمه الزكاة؟
الذي ترجح أنه لا يشترط التمكن من الأداء، فتجب الزكاة بحلول الحول فيما يشترط فيه الحول، سواء تمكن من الأداء، أو لم يتمكن، وعليه فإنه يضمن إذا حبسه الحظر عن إخراجها فرط أم لم يفرط.
- أثره في زكاة الفطر.
ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم. بل ونقل ذلك إجماعًا، ومع أن الجماهير على حرمة تأخيرها عن يوم العيد إلا أنهم رخصوا لمن كان له عذر، ومن الأعذار التي ذكروها: انتظار قريب، أو أحوج، أو غَيْبة ماله أو المستحقين في ذلك الوقت. ويلحق بها الخوف على نفسه أو ماله، والحظر مندرج تحت ذلك، فلو فرض الحظر يوم العيد، ومنع الناس من الخروج لتوزيع زكاتهم، فلا حرج عليهم في تأخيرها عن يوم العيد، مع أن الأَوْلَى في حق من عَلِم بأن الحظر سيفرض يوم العيد، أن يعجل بها قبل العيد بيوم أو يومين، وبذلك يخرج من دائرة التحريم، بل ويوافق السنّة في الرخصة بإخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، بل ولو أنه أخرجها قبل ذلك لأجل الحظر لجاز، وخصوصًا على قول مَن يرى جواز إخراجها من أول شهر رمضان، أو نصفه.
- أثره على الصيام.
من السنّة أن يتراءى الناس هلالَ شهر رمضان، لكن لو أن الحظر فرض ومنع الناس من الخروج من منازلهم وبالتالي من رؤية الهلال، فهل يتمون العدة ثلاثين يومًا، أو يصومون برؤية بلد أخرى، وهذا فيما لو كان الحظر عامًّا لأجزاء البلد، ولم تعلن الدولة دخول الشهر – هذا مبني على الخلاف في مسألة اختلاف المطالع، والصحيح أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فلو شُهِدَ هلال شهر رمضان المبارك في بلد، فإنه يلزم أهل البلاد الأخرى البعيدة – وإن لم يروا الهلال – أن يصوموا بهذه الرؤية، وبناء عليه فإذا فرض الحظر على أهل بلد ومُنِعُوا من رؤية الهلال، فإنهم يصومون مع أي بلد إسلامي يعتد برؤية الهلال.
- أثره على الحج.
لقد فرض الله عز وجل الحج على عباده ومع أنه -سبحانه وتعالى- قد أوجب الحج، إلا أنه قيد ذلك بالاستطاعة وعليه فلو فرض الحظر ومنع الناس من الخروج للحج، فهل يعد ذلك مسقطًا للحج وعذرًا في تركه؟ أم أنه يجب عليهم الخروج؟
 الصحيح أن ذلك يعد عذرًا فالاستطاعة غير قاصرة على الزاد والراحلة وإنما تشمل كل ما يحقق الاستطاعة كصحة البدن، وأمن الطريق وإمكان المسير، والزوج أو المحرم للمرأة، والقائد للأعمى ونحو ذلك، وبناء عليه فإن الحج لا يجب على مَن فُرِضَ عليه الحظر؛ لما يترتب على مخالفته من ضرر قد يلحق بالنفس، ولعدم تحقق أمن الطريق في حقه.
- أثر حظر التجول في المعاملات ومن ذلك:
-ما يتعلق بخيار الشرط
قد يشتري أحد المتبايعين شيئًا على أن له الخيار مدة معلومة وإن طالت إن شاء أنفذ البيع في هذه المدة وإن شاء ألغاه، وهو فعل مشروع وقد حُكي الإجماع على ذلك. لكن قد يفرض الحظر وتنتهي المدة المضروبة – على اختلاف بين الفقهاء في مقدار تلك المدة- للعقد ويُمنع من له الخيار من الفسخ أو الإمضاء، فهل إذا انتهت المدة لزم العقد أم أن الحظر يعد عذرًا في تمام العقد؟.
بالنظر لمسقطات الخيار ظهر أن أقربها حكمًا للحظر هو جنون أو إغماء من له الخيار أثناء مدته ؛ ووجه ذلك أن إرادته لا تعلم من إمضاء العقد أو فسخه، كحال من منع بالحظر.
وعليه فلو فرض الحظر وانتهت المدة المضروبة للعقد ولم يتمكن من له الخيار من الفسخ أو الإمضاء، فإن حقه في الخيار محفوظ بسبب الحظر.
- ما يتعلق بخيار العيب.
من اشترى سلعة معيبة، ولم يطلع على عيبها إلا بعد القبض، فإن العقد يعتبر في حقه جائزًا، ويكون له الخيار في الرجوع عن العقد، ورد السلعة على البائع، والرجوع بالثمن كاملًا، هذا فيما إذا كانت السلعة على حالها ولم تتغير، وهو محل اتفاق بين أهل العلم.
وعليه فلو اشترى شخص من آخر سلعة معيبة، ولم يعلم بها إلا بعد قبضها ولما أراد أن يعيدها فُرض الحظر وحال بينه وبين ذلك فهل يلزمه العقد أم أن حقه في الرد يبقى محفوظًا له؟
هذا مَبْنيّ على الخلاف في الرد بالعيب هل هو على الفور أم على التأخير، والصحيح أن خيار العيب يثبت للعاقد على التراخي؛ لأنه إذا ثبت بالشرع لدفع الضرر، فإنه قد لا يندفع على الفور، فلا يبطل الخيار مع تأخير الرد، لكن ينبغي أن يكون التأخير إلى ثلاثة أيام فقط، ولعذر -لأن بعض البضائع لها وقت تتوفر الرغبة فيها عند الناس فتكون مرغوبة في فترة دون أخرى، فإذا أخرها المشتري بلا عذر فقد تنخفض القيمة فيتضرر البائع لذلك، وفي الحديث{لا ضرر ولا ضرار} فلا بد من مراعاة مصلحة الجانبين، وبناء على ما سبق فلو اشترى شخص من آخر سلعة معيبة، ولم يعلم بعيبها إلا بعد قبضها ولما أراد أن يعيدها فُرض الحظر وحال بينه وبين ذلك، فإن العقد لا يلزمه وخياره في الرد محفوظ؛ لعذر الحظر.
-أثره على الإجارة.
الذي عليه جمهور فقهاء المذاهب الأربعة، أن عقد الإجارة عقد من العقود اللازمة إذا وقع صحيحًا خاليًا من خيارات الشرط، أو العيب، أو الرؤية، وأنه لا يحق لأي من المتعاقدين فسخ ذلك العقد بلا عُذر، على خلاف بينهم في الأعذار المجيزة للفسخ. وعليه لو استأجر شخص من آخر عينًا، ولكن بسبب تكرار فرض الحظر لم يتمكن المستأجر من استيفاء منفعة تلك العين فهل يعد ذلك عذرًا في فسخ الإجارة؟
مما سبق من المباحث يظهر أن الحظر عذر يُلحق بالخوف في بعض الأحوال ومنها هنا.
وقد اختلف الفقهاء فيمن استأجر عينًا من الأعيان، ثم حدث عذر عامّ – من سيل أو خوف ونحو ذلك، والصحيح أن للمتضرر من العاقدين حق الرجوع عن عقد الإجارة بموجب العذر العامّ والخوف العامّ، وعليه فلو استأجر شخص من آخر عينًا ولكن بسبب تكرار فرض الحظر لم يتمكن المستأجر من استيفاء منفعة تلك العين فإن ذلك يعد عذرًا في فسخ الإجارة.
- أثره على الشرط الجزائي.
هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه مَن شُرِط له عن الضرر الذي يلحقه إذا لم يُنَفِّذ الطرف الآخر ما التزم به، أو تأخّر في تنفيذه.
والصحيح جواز اشتراطه، وهو اختيار جمهور العلماء المعاصرين، فهو قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، وهو قرار هيئة كبار العلماء في دورتها الخامسة، المنعقدة فيما بين5 و22 /8 /1394هـ، وبناء على صحة هذا الشرط، فلو أن مقاولًا تعاقد مع شخص على بناء مسكن، ثم شرط صاحب المبنى شرطًا جزائيًّا يلزم المقاول بدفع مبلغ معين عن كل يوم أو عن كل أسبوع يتأخر فيها المقاول عن تسليم العمل المعهود إليه إنجازه، ثم مع تكرار فرض الحظر تأخر المقاول في إنهاء المبنى لمنع اليد العاملة من الخروج، فهل يعد الحظر في مثل هذه الحالة عذرًا يُسقط الشرط الجزائي أو بعضه؟
الصحيح أن ذلك يعد عذرًا وخصوصًا في المشاريع والعقود التي يستغرق تنفيذها وقتًا كعقود التوريد، والمقاولات مما يعرضها للحوادث الطارئة التي لا يد لأحد العاقدين فيها.
-أثر حظر التجول في فقه الأسرة ومن ذلك:
-فيما يتعلق بالولاية في النكاح.
 قد حثّ الرسول صلى الله عليه وسلم على سرعة التزويج والمبادرة به إذا حضر الكفء، وحذر من عواقب التأخير. فقال: {إذا خطب إليكم مَن ترضون دِينَه وخُلُقه فزوِّجوه، إِلَّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض}، فلو تقدم خاطب لامرأة في بلد ووليها الأقرب في بلد آخر، ومنعه الحظر من الحضور، فهل يقوم الولي الأبعد بتزويجها أم ينتظر الأقرب؟ اختلف أهل العلم في ذلك والراجح ما عليه الجمهور وهو أن الولاية تنتقل من الولي الأقرب الغائب إلى الولي الأبعد الحاضر، وبناء على ذلك فالولي القريب إذا حبسه الحظر بحيث لا يمكن الوصول إليه واستطلاع رأيه، أو مع خشية فوات الخاطب الحاضر الكفؤ، فإن الولاية تنتقل للأبعد. وهذا إذا لم يمكن التواصل معه عبر وسائل الاتصال الحديثة، كالهاتف والتلكس والفاكس، فإذا كان يسهل التواصل معه فلا تسقط ولايته ؛ لإمكانية معرفة رأيه عند طريق تلك الوسائل، ويشترط في ذلك التيقن بمعرفة صوته، ولو تيسر هاتف مرئي ينقل صوته وصورته ؛ لكان أدعى للقبول والصحة حتى على قول مَن لا يجيز التعاقد بمثل هذه الوسائل.
- فيما يتعلق بالمبيت والعدل بين الزوجات.
أباح الله التعدد، وهو من فضل الله ورحمته بالأمة، واتفق الفقهاء على أنه يجب على الزوج إن كان له أكثر من زوجة أن يعدل بين زوجاته، وأن يسوي بينهن في القسم، لكن قد يعرض عارض فيمنع الزوجَ من القسم بين نسائه -كما لو كنَّ في بلدين أو أكثر- ومن ذلك الحظر، فهل يجب عليه بعد انتهاء الحظر أن يقضي نوبة مَن لم يقسم لها أم لا؟
هذا مبني على الخلاف في مسألة الدخول على غير النوبة، وقضاء ذلك، والراجح من قولَيْ أهل العلم، أنه إذا دخل على غير صاحبة النوبة لضرورة أو حاجة – كحال الحظر - فلا يجب عليه القضاء، وإنما يكافئ الأخرى بدخوله عليها لحاجتها أو ضرورتها، وأما إن دخل لغير حاجة أو ضرورة، وأقام فإنه يقضي بأن يدخل على صاحبة النوبة مثل ما دخل على الأخرى.
- فيما يتعلق بالإحداد في غير بيت الزوج.
أمر الله تعالى المتوفى عنها زوجها بالاعتداد أربعة أشهر وعشرًا وهي فترة الإحداد وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخِر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوجٍ أربعةَ أشهر وعشرًا }. قال النووي: (فيه دليل على وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها وهو مجمع عليه في الجملة وإن اختلفوا في تفصيله).
هذا والذي عليه قول الجماهير من أهل العلم أنها تعتد في بيت زوجها الذي بلغها نعيه وهي فيه وإذا جاءها نعي زوجها وهي في غير بيتها فإنها ترجع إلى بيتها ولا تعتد في المكان الذي بلغها فيه الخبر وهو ما عليه الجمهور، فإذا بلغها الخبر وهي في غيره وجب عليها الرجوع. وعليه لو أن امرأة بلغها نعي زوجها وهي في غير بيتها ولما أرادت الرجوع لبيت زوجها حبسها الحظر فهل تمكث بمكانها أم أنها تنتقل ولو مع وجود الحظر؟
من تأمل وقت الحظر علم أن وقته يسير فلا حرج عليها بأن تمكث مدة الحظر في البيت الذي بلغها فيه خبر وفاة زوجها ثم تنتقل بعد رفعه، وإن خشيت على نفسها إن بقيت في بيت زوجها لكثرة تكرار الحظر، فإنها تعتد حيث شاءت ؛ لأن السكنى وجبت بطريق العبادة حقًّا لله تعالى عليها والعبادات تسقط بالأعذار، والحظر يعد عذرًا والله أعلم.
-أثر حظر التجول في الجنايات والحدود والأقضية ومن ذلك:
-حكم دم مَن خالف قانون الحظر.
لو خالف شخص فرض الحظر - السياسي - بخروجه وقت الحظر، وقُتل أو مات بسبب ذلك، فما حكم ذلك؟
يختلف ذلك باختلاف المُصْدِر للحظر والسبب في إصداره:
1- فإن كان المُصْدِر له كافرًا في أرض إسلامية، وسعى بعض المسلمين لرفعه ففِعْلُهم هذا من الجهاد في سبيل الله، والمقتول منهم شهيد، ويأخذ أحكام شهيد المعركة من عدم التغسيل والصلاة عليه ونحو ذلك.
2-وإن كان المُصْدِر له مسلمًا فيختلف الحكم باختلاف الأحوال التي أدت لفرضه.
وبيان ذلك على النحو التالي:
 الحال الأولى: إن كان سبب فرضه خشية المظاهرات غير السلمية، أو السعي للانقلاب على السلطة، أو اتفاق جماعات على السعي في إزهاق الأرواح وإفساد الممتلكات، فإن اضطر المُصْدِر له إلى استخدام القوة والسلاح – بعد التدرج في ردعهم ودعوتهم بل وحتى تهديدهم - ونتج عن ذلك قتلى فإن المقتول منهم يعد عاصيًا ودمه هدر، ويشهد لذلك قوله تعالى (إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فأمر بقتالهم وأسقط قتلاهم، وأشد من ذلك من خرج لإزهاق الأرواح وإفساد الممتلكات. وقوله صلى الله عليه وسلم: {من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه} وقوله صلى الله عليه وسلم: {إنه ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهى جميع فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان}.
الحال الثانية:
أن لا يتيقن وجود تلك المفاسد بل يشك في وجودها أو يتوهم وقوعها، فلو أصدر الحظر، وكان هناك مخالِف لذلك الحظر فلا يجوز بحال قَتْل مَن خرج وخالف الحظر؛ لأن مفسدة القتل أعظم من مفسدة مخالفة الحظر في هذه الحالات، بل ولا يعلم ذَنْبٌ بعد الكفر جَعَلَ الله جزاءَ مرتكبِهِ جهنمَ إلا قَتْلُ المؤمن عَمْدًا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا}.
وعليه فلا يجوز استخدام السلاح أو القوة لردع المخالف للحظر في هذه الحالة، بل يخوف ويتوعد، والقاتل في هذه الحالة آثِم، وعليه الضمان.
- عجز المحارب التائب عن تسليم نفسه.
الذي عليه الجماهير من أهل العلم وحكي إجماعًا أن المحارب لو تاب قبل القدرة عليه أن حدّ الحرابة يسقط عنه، ومما اتفق عليه الفقهاء أيضًا أن المحارب لو تاب بعد القدرة عليه فإن حد الحرابة لا يسقط عنه، وتصح توبته فيما بينه وبين الله تعالى إن كان صادقًا.
لكن لو أن المحارب تاب قبل القدرة عليه، ولما أراد أن يسلم نفسه فرض الحظر، وفي أثناء الحظر قبض عليه فهل تقبل توبته أم لا؟ الصحيح من قولَيْ أهل العلم قبول دعوى المحارب إذا ادعى التوبة قبل القدرة عليه وسقوط الحد عنه؛ للشبهة ولكن بشرط أن تكون هناك دلائل وقرائن تدل على ذلك، ومن تلك الدلائل: شهادة العدول برجوعه، وإلقائه السلاح، وأن تظهر توبته لجيرانه، وأن لا يكون من أهل السوابق، ومما يؤيد ذلك ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنه لا يشترط في توبة المحاربين أن يرفعوا أمرهم إلى الإمام، وإنما تكون توبتهم فيما بينهم وبين الله وفي ظاهر حالهم، فلو أنهم ألقوا السلاح، ورجعوا إلى جماعة المسلمين، وظهرت عليهم أمارات الخير والاستقامة؛ فإنه يُحكَم بتوبتهم، ولا يشترط أن يرفعوا أمرهم، إذا ظهرت منهم التوبة.
- فيما إذا تعينت عليه الشهادة.
قد يتحمل الإنسان شهادة يجب عليه أداؤها وتتعين عليه، فلو تعينت عليه الشهادة ثم منعه الحظر من الخروج من منزله - ويتصور ذلك في الحظر الجزئي الذي قد يفرض في المدن الكبرى دون أريافها أو بعض أجزائها، أو في مدينة دون أخرى – فهل يعد ذلك عذرًا في عدم أداء الشهادة؟ الصحيح أن ذلك يعد عذرًا، فلا يلزمه أداؤها ؛ لأنه غير مستطيع، ومن شرطها القدرة على الأداء في غير مضرة، وللقاضي أن يسمع شهادته في مقر إقامته بالهاتف متى ما تيقن القاضي وأطراف الدعوى من صوت الشاهد عبر الهاتف، ولو تيسر هاتف مرئي ينقل صوته وصورته ؛ لكان أدعى للقبول والصحة.
تلك كانت أهم نتائج البحث وقد حوى نتائج أخرى تركتها دفعًا للإطالة، وأسأله –سبحانه- أن يهدينا جميعًا إلى سواء السبيل، وآخِر دَعْوانا أن الحمد لله رب العالمين.