في ذكرى الثورة: سلامٌ على القدّيسين الأحياء

مالك العقّاد
الأحد 20 جمادى الثانية 1438هـ - 19 مارس 2017مـ  09:30
لا يزالون يقدّمون التضحيات، ويذودون عن الحمى، ويعيشون الآلام والعذابات، أهدافهم بين أعينهم، ما مالوا وما زاغوا وما ضعفوا وما استكانوا. أولئك هم القدّيسون الأحياء، والأولياء الصالحون، والطهر المتجسّد في هيئة بشر، والأملُ الباقي، والنور الساطع، والروح المتوقّدة لهذه الثورة.
تَهيجُ ذكرى الشهداء مع كل ذكرى، لتُشعل الضياء من جديد، وتؤكّد الوفاء بالعهد، والسير على الطريق. إلّا أنّنا -في خضمّ هذا النور والنار- كثيرًا ما ننسى أبرارًا أطهارًا ما زالوا يعيشون معنا على ظهر هذه الأرض، هم رأس مالنا، وضياء أعيننا، وضمانُ استمراريّتنا رغم كلّ الحوادث والظروف. ليسوا أقلّ ممّن مضى طُهرًا، ولا أدنى بِرًّا ووفاءً تضحية، ولهم من الفضائل ما لم يدركه الأوائل.
- ليس من ثار وجوّ الثورة في ريعان شبابه وصبوته وفتوّته؛ كمن استمرّ في الثورة والقتال والجوُّ قد خالطته الكهولة، وعلاهُ شيبُ مصائب الدهر، وقد نكص الناكصون وخار الخائرون.
- ليس من ثار والطريق واحدة، وهممُ الناس مشتعلة، وجُودُهم كالريح المرسلة، وسُمعة الثائر والمجاهد أنقى من الغمام؛ كمن استمرّ رغم تفرّق الكلمة، وتشوّه الصورة، وقلّة المال، ورغم حوادث البغي، وجرائم التكفير والقتل.
- ليس من ثار وهو يقاتل جيشًا هشًّا لا يملك عقيدةً قتاليّةً؛ كمن استمرّ في القتال وقد جاءت قوافل الارتزاق الطائفيّ الحاقد، وأسراب الطيران الروسيّ المجرم، وتأسّست قواعد الاحتلال علانية.
- ليس من ثار وأحلامُنا جاوزت السحاب، وخياراتنا السياسية فائضةٌ حدّ الترف؛ كمن استمرّ وقد انخفض سقف الطموح، وضاقت الخيارت، وقلّت الحيلة.
لا والله لا أغمط شهيدًا حقّه، أو أنقصه قدره، ولا أقلّل من تضحيات وبطولات متظاهر أو ناشط، وإنما أثور على عادةٍ جرينا عليها سنينًا في غمط الحيّ حتى يموت، وسداد حقّه دَينًا مؤجّلًا بعد أن يصير بين يدي ربّه.
إلى أولئك الصامدين المرابطين على الجبهات، المدافعين عنّا في وجه آلة الموت والإرهاب، والرافعين رؤوسنا بين الشعوب وعلى صفحات التاريخ، إلى الصابرين رغم عواصف الأوجاع وأعاصيرها، إلى الأمّهات المحتسبات، إلى الطاهرات العفيفات المعتقلات، وإلى كلّ المعتقلين والمنتظرين نوبة التعذيب القادمة، إلى المواصلين المشوار في كلّ ميدان، وعلى كلّ ثغر، المبصرين النور بين أكوام الظلام، والماضين بالأمل رغم أثقال الألم، أنتم النور المبين، والأمل المتين، أنتم أنتم، أنتم القدّيسون الأحياء، فسلامٌ عليكم في الأوّلين، وسلامٌ عليكم في الآخرين، وسلامٌ عليكم إلى يوم الدين.