كيف نفند شبهة القعود عن قتال داعش بحجة أنهم مسلمون، فقتالهم قتال فتنة يجب اعتزالها شرعًا؟

الأربعاء 23 جمادى الثانية 1438هـ - 22 مارس 2017مـ  13:15
كيف نفند شبهة القعود عن قتال داعش بحجة أنهم مسلمون، فقتالهم قتال فتنة يجب اعتزالها شرعًا؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فتتسارع الأحداث في سوريا بإيقاع شديد التغيرات اليومية الخطيرة، والأمر الخطير هو تقدُّم داعش في بعض الجبهات وحضورها اليوم في غوطة دمشق واغترار بعض المقاتلين بها، واستشكلوا قتالها فقالوا: إن قتال داعش هو قتال بين مسلمين والقاتل والمقتول في النار، وإذن هو قتال فتنة والنجاة منها اعتزالها والقعود عنها، ويحتجون لذلك بأحاديث الفتن ومنها: 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فيها خَيْرٌ من الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فيها خَيْرٌ مِن الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ من السَّاعِي، من تَشَرَّفَ لها تَسْتَشْرِفُهُ وَمَنْ وَجَدَ فيها مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ ) متفق عليه.
وبقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَالقَاتِلُ والمَقْتُولُ فِي النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ هَذا القَاتِلُ فمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ. ) متفق عليه. وغير ذلك من الأحاديث.
 وهنا لابد من بيان متى يكون القتال بين المسلمين فتنة يجب اعتزالها ومتى لا يكون فتنة بل يجب القيام به والمشاركة فيه، والقعود عنه هو الفتنة: 
قال ابن بطّال في شرح صحيح البخاري ج10 /32: إذا التقى المسلمان بسيفيهما واختلفت طائفتان على التأويل في الدين، ولم يتبين البغي من إحداهما أنه يجبُ القعود عنهما وملازمة البيوت عملًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( تَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ ) فأما إذا ظهر البغي في إحدى الطائفتين لم يحل لمسلم أن يتخلف عن قتال الباغية لقوله تعالى: ( فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) الحجرات: 9، ولو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغي لبطلت فريضة الله تعالى . انتهى. 
وقال الشوكاني في النيل ج 6 ص 78: وَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى وُجُوبِ نَصْرِ الْحَقِّ وَقِتَالِ الْبَاغِينَ وَكَذَا قال النَّوَوِيُّ وزَادَ إنه مَذْهَبُ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلامِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ ) قال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وَتُتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ ( أي الآمِرَةُ بالاعْتِزالِ ) على مَن لم يَظْهَرْ له الْمُحِقُّ أو على طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لا تَأْوِيلَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. انتهى.
 وقال النووي في شرح مسلم: وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له ويكون قتالهما عصبية ونحوها. ....انتهى. 
وعليه: فإن قتال الفتنة: هو القتال الذي ينشب بين طائفتين من المسلمين كلتاهما على باطل، أو لا يُعلَم المُحِق منهما من المُبطِل، أو تتقاتلان لمغانم دنيوية، أو أنهما ظالمتان كلتاهما لا تأويل لواحدة منهما. أو لعصبية جاهلية.
فأما قتال من ظهر ظلمهم وبغيهم وعدوانهم على المسلمين، فهو قتال واجب ؛ لكفِّ شرهم ودفع أذاهم، ولو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغي لكانت فتنة ولتعطل كثير من مصالحهم.
وداعش اليوم هي طائفة باغية ويجب قتالها لماذا؟ لأن بغيها واعتداءها على الشعب السوري تجلى في أمور كثيرة منها - الافتئات على الشعب السوري بإعلان (الخلافة وقبلها الدولة) من غير وجودٍ حقيقي لأي من مكوناتها الشرعية أو الواقعية، أو إشراكٍ لأهل الحل والعقد في البلاد.
ومنها - الغُلُوّ في إطلاق أحكام التكفير، وامتحان الناس عليها. والتورط في سفك الدماء المعصومة، والاستهانة بذلك، فقد أعدموا عددًا من المدنيين والمعتقلين بل ذبحوا بالسكاكين قادة عسكريين من المجاهدين الصالحين، وفي أمثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ) رواه مسلم.
ومنها- اعتقال النشطاء والإعلاميين والمجاهدين والدعاة، والتحقيق معهم، وقد تم تعذيب بعضهم وقتلهم ظلمًا بالتكفير ومنها: أنهم أصبحوا عونًا للنظام الفاجر بمشاغلة المجاهدين وقتالهم مما خدم النظام أيما خدمة. وبدلًا من أن يكونوا عونًا للمجاهدين صاروا وبالًا عليهم، بل توجد صيغة تفاهم بينهم وبين النظام أن يكونوا حلفًا ضد الثورة وأبطالها. فكانوا عونًا للظالم على المظلوم.
ومنها أنهم شقوا صفّ المجاهدين بشُبَهِهم الفكرية وإغداق الأموال على مَن يواليهم مما تسبَّب في بثّ الفتنة ونُشُوب الخلافات بين المجاهدين.
 ومما يجب ذكره أن فتنة داعش الخطيرة قد خدعت بعض الشباب الطيبين بما هي عليه من مظاهر التدين والتعبد والشعارات الإسلامية وادِّعاء الجهاد لرفع كلمة التوحيد وإعلان الخلافة، فمنهم مَن انضم لداعش ومنهم مَن اعتزل قتالها، وهذا ما حذر منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبينًا أوصاف الغلاة بأحاديث كلها صحيحة؛ كي لا يغتر أحد بهم ومنها:
(يَخْرُجُ قَوْمٌ في آخِرِ الزمَانِ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهاءُ الأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ لا يُجَاوِزُ إِيمانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ)
(يُحْسِنُونَ القِيلَ ويُسِيئُونَ الفِعْلَ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِن الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ لا يَرْجِعُونَ حتَّى يَرْتَدَّ على فُوقِهِ)( يَدْعُونَ إلى كِتابِ اللهِ ولَيْسُوا مِنْهُ في شَيْءٍ) (يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ لَيِّنًا رَطْبًا ) (قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَع صَلاتِهِمْ وصِيامَكُمْ مَع صِيامِهِمْ وعَمَلَكُمْ مَع عَمَلِهِمْ)(يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ ويَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ) (هُمْ شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وقَتَلُوهُ) (لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ‏ ‏ثَمُودَ )( فَأَيَّنَما لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ في قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ.) (مَنْ قَاتَلَهُمْ كانَ أَوْلَى بِاللهِ مِنْهُمْ). 
وإذن وقد استبان الأمر بخصوص بغي داعش فقد وجب قتالها لرد بغيها وعدوانها عن المسلمين، وإلا فإن فتنتها ستصبح شرًّا مستطيرًا لا تقل في مفاسدها وأخطارها عن هذا النظام المجرم.
أما من اغتروا بهم وانخرطوا في صفوفهم يقتلون أهلهم وشعبهم والمجاهدين الأحرار الذين خرجوا لإسقاط النظام الطائفي المجرم بحق كل السوريين وبخاصة أهل السنّة، فعلى هؤلاء الإسراع إلى التوبة والاستغفار مما فعلوه من أذى بالمسلمين وترك داعش المجرمة والالتحاق بصفوف إخوانهم المجاهدين عسى الله أن يتوب عليهم.
فأما مَنْ أُكْرِهَ على الخروج للقتال مع داعش أو النظام، فقد ورد: 
(....فقال رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إن أُكْرِهْتُ حتى يُنْطَلَقَ بِي إلى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ أو إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أو يجيء سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي قال يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ وَيَكُونُ من أَصْحَابِ النَّارِ) رَواه مسلم.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَفْعُ الْإِثْمِ عَنِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْحُضُورِ هُنَاكَ. وَأَمَّا الْقَتْلُ فَلا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ بَلْ يَأْثَمُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. وإذن حتى المُكْرَه لا يجوز له أن يقاتل مع النظام أو داعش فيقتل إخوانه المسلمين بحال.
وأما الذين لُبِّست عليهم الأمور وظنوا أن قتال داعش فتنة يجب اعتزالها فيكفي ما ذكرناه أعلاه ليقوموا بواجب المشاركة في قتال البغاة الخوارج قبل فوات الأوان والله المستعان.
- أخيرًا على السوريين -وبخاصة المشايخ والدعاة وأهل الرأي والسياسة- أن يولوا هذه الفتنة اهتمامًا بالغًا للقضاء عليها وتنقية النموذج الإسلامي السوري من الغلو والشبه ليبقى دين الله خالصًا من أفكار داعش وأمثالها، وليبقى جهاد السوريين خالصًا لله جل في علاه، فإما نصر عزيز أو شهادة نقية يقبلها سبحانه، فينال بها صاحبها أرفع درجات الجنة.
اللهم اهْدِ داعش للحق، وأمنيتنا بإخلاص أن تتوب داعش عما هي فيه من الظلم والبغي وتنضم للمجاهدين ليكونوا جميعًا صفًّا واحدًا لإسقاط هذا النظام الطائفي الذي يضمر كل الشر لأهل السنّة والجماعة بظهير إيراني شيعي حاقد، ولن يوفر أي فرصة للقضاء على المجاهدين بما فيهم داعش لو استطاع، فهو عدو لله ولرسوله ولكتابه ولأهل السنّة، ووَيْل للسوريين إذا تمكنت إيران من سوريا لا قَدَّرَ الله، اللهم أَرِنَا الحق حقًّا وارْزُقنا اتباعه وأَرِنَا الباطل باطلًا وارْزُقنا اجتنابه، وآخِر دعوانا أَنِ الحمد لله رب العالمين.
المفتى أو المستشار: 
مروان عبد الرحمن القادري