المستبد الليبرالي

الشيخ إبراهيم السكران
السبت 18 رجب 1438هـ - 15 أبريل 2017مـ  15:23
الحمد لله وبعد، أن يكون (مستبدًّا) وبنفس الوقت (ليبراليًّا) كأنها عبارة مركبة مبنية على التناقض الداخلي!، أليس كذلك؟
نعم، هو كذلك، لكن هذا ما كشفته الدراسة الجديدة المدهشة في معرض الكتاب الحالي 1434هـ بعنوان (الليبراليون الجدد) للباحث السعودي أحمد بن عبد العزيز القايدي، ويقع هذا البحث الصادم في 200 صفحة تقريبًا، في هذه الدراسة المكثفة ترسانة من الشواهد والمعطيات التي تبرهن أن عموم (الليبراليين الجدد) يقفون مع النُّظُم الديكتاتورية المستبدة لفرض الحرية الليبرالية! ويرفضون ويرتابون بالديمقراطية في البلدان الإسلامية لأنها لن تأتي بالحرية الليبرالية بسبب الرفض الشعبي لها!.
هل تعلم مثلًا أن الكاتب الليبرالي "العفيف الأخضر" كتب مقالًا بعنوان (كونوا حزب الملك لإنقاذ المغرب) يحاول فيه إقناع النخب السياسية المغربية بالتحالف مع الديكتاتور ملك المغرب للوقوف ضد الإرادة الشعبية ذات التوجه الديني؟! ويصف شاكر النابلسي الصلف الاستئصالي الديكتاتوري لنظام الرئيس السابق بورقيبة بأنه: (استراتيجية ليبرالية ناجحة يجب استلهامها)! ولما أراد الشعب التونسي محاكمة الرئيس ابن علي كتب الليبرالي "العفيف الأخضر" رسالة للقضاة يقول: (ليكن شعاركم الشارع ينبح)! هذه بعض الشواهد التي عرضها المؤلف، وثمة غيرها في الكتاب.
وأكثر فصول الكتاب ألمًا وحزنًا هي تلك الفصول التي عرض المؤلف فيها أفكار ومقولات (الليبراليين الجدد) المُصرِّحة ببجاحة ضد أحكام القرآن وسُنّة النبي صلى الله عليه وسلم باعتبارها شرائع بدائية قديمة انتهى زمنها، (شرّف الله القرآن والسُّنة عن ذلك)!
بل يصل التطرف الليبرالي أقصاه حيث ينقل المؤلف نصوصًا واقتباساتٍ لـ(الليبراليين الجدد) يدعون فيها لإصلاح التعليم عبر إشاعة نظريات داروين وفرويد والثقافة الجنسية! بل ساق المؤلف عددًا من النصوص لليبراليين الجدد ليس فيها أدنى حياء من ذكر الفواحش –أكرمكم الله- والتصريح بأنها من الحرية، كما يقول أحد الليبراليين الجدد مثلًا: "المالك لفرجه يستمتع به على هواه، بضابط واحد وحيد: التعاقد الحر بين الراشدين"، ويقول أحد الليبراليين الجدد في تمثيل لا يخفي الحدود المتطرفة: "أريد أن تصبح المرأة المسلمة مثل المرأة الأوروبية والأمريكية والروسية".
وهناك توتر وانفعال عجيب لدى الليبراليين الجدد حين يتناولون ظاهرة عودة المسلمات إلى حجاب الرأس، حتى إن إحدى الكاتبات الليبراليات النشطات تقول: "كلما رأيت رؤوس المحجبات التي أصبحت تملأ شوارع مدننا؛ تذكرت الأكفان البيضاء"، ومن الطريف، بل المضحك، حقًّا، ما نقله المؤلف عن عدد من (الليبراليين الجدد) في إيمانهم بإصلاح العالم العربي عبر الموسيقى! كما يقول أحدهم نصًّا: "ضرورة تشجيع التعليم والإعلام لكل المناشط التي تشجع غرائز الحياة، مثل: تنظيم الحفلات والمهرجانات الموسيقية السنوية، والإكثار من المسلسلات الخاصة بنجوم الغناء والموسيقى"، ويقول آخر: "تدريس الموسيقى والفنون التشكيلية من رسم ونحت وخلافه في كافة المراحل" ونحو هذه الشواهد، حتى أن المؤلف بدا مستغربًا في الصورة النهائية التي يراد للمنشآت التعليمية أن تكون عليه؟ هل يراد لها أن تكون مدارس علمية أم نوادي ليلية؟!
وفي فصل بعنوان (التخابر لصالح أمريكا) استعرض المؤلف شواهد حاسمة تُثبِت تورُّط الليبراليين الجدد في علاقات عمالة مكشوفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورفع التقارير لمسؤوليها لإرشاد أمريكا لأحسن الطرق في الهيمنة الغربية على المنطقة!، وكل ما سبق قد يكون بعض المراقبين على اطلاع على بعضه، لكن القارئ السعودي قد يتفاجأ فعلًا بفصل ساخن عقده المؤلف وطرح فيه على الطاولة معطيات يرى من خلالها أن هناك تعاونًا بين (الليبراليين الجدد) وبين (التنويريين السعوديين) حيث يقول المؤلف: "يؤكد الليبراليون الجدد على أهمية التعاون مع الاتجاه التنويري" ثم استعرض المؤلف أسماء شخصيات سعودية تنسب للاتجاه التنويري بحسب رؤية المؤلف، ويثمن الليبراليون الجدد الدور الذي قامت به هذه الشخصيات.
وفي رصد للمؤلف لا يخلو من طرافة وجدّة لاحظ أن الليبراليين الجددَ في العالم العربي شديدو الحفاوة والاهتمام بالليبرالية السعودية، حتى أن أحد الليبراليين الجدد كتب كما يقول: "تسعة كتب كلها خاصة بالشأن السعودي"! فما تفسير هذا الاهتمام الليبرالي العربي بالليبرالية السعودية؟ طرح المؤلف –بحسب رؤيته- سببين لذلك. وفي أواخر الكتاب بدأت درجة حرارة المعطيات تزداد توهجًا، حيث استعرض المؤلف عدة قرارات رسمية محلية لها علاقة بالليبراليين الجدد، لا أرى من المناسب عرضها في هذه القراءة لحساسيتها المعروفة.
في تقديري أن هذا الكتاب سيكون له دوي وصدى سعودي بسبب ملامسته لعدد من خطوط التماس المحلية، الفكرية والسياسية، وخصوصًا أن المؤلف اهتم كثيرًا بالتوثيق والبرهنة، وستكون أمام المؤلف قراءات ونقد من شتى الاتجاهات، حتى الإسلامية منها.
والحقيقة أنني لما كنت أقرأ الشواهد التي عرضها المؤلف في ترحيب الليبراليين الجدد بالمستبد الذي ينصر الليبرالية، ونفورهم من الديمقراطية، مكثت أتساءل عن السبب؟ وظهر لي أن الليبراليين الجدد يشعرون في قرارة أنفسهم بأنهم منبوذون شعبيًّا، ولذلك فالديمقراطية تعني صعود قرارات شعبية تخالف توجهاتهم، ولذلك تحولوا من الديمقراطية إلى فكرة (المستبد الليبرالي) لأنهم آمنوا أن النُّظُم الديكتاتورية المستبدة هي التي ستنصر أفكارهم التغريبية وتفرضها بالقوة على الشعوب المسلمة.