الاعتداء على الصحفيين وأثره على مسار الثورة السورية

القسم العلمي بشبكة الدرر الشامية
الخميس 07 شعبان 1438هـ - 04 مايو 2017مـ  16:51
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد...
قضية مهمة أخذت حيزًا كبيرًا من الجدل، لما لها من تأثير على مجريات الأحداث في الواقع السوري، ألا وهي قضية الاعتداء على الصحفيين الغربيين أو أَسْرهم وطلب الفدية من ذويهم ..
لا يشك عاقلٌ في أهمية الإعلام النزيه في نقل صورة الحدث وتوثيق الجرائم التي يقوم بها نظام الأسد تجاه شعبه، فالكل يتفق على ذلك، ولكن تأتي مسألة التعدي على الصحفيين الغربيين وموظفي الإغاثة متعارضة مع هذا الإقرار..
  فبعض الفصائل تعتدي على الصحفيين وأفراد الإغاثة، بحجة أن:
-          هؤلاء الصحفيين أو بعضهم جواسيس وعملاء.
-         وأن المجتمع الدولي متآمر على الشعب السوري.
-         وأن هذه الحقائق يمكن أن يعرفها من خلال إعلام الثورة ونشطائها وصحفييها.
والبعض الآخر يرى أن هذا الاعتداء غير مبرر وأن الصحفيين مستأمنون.
-         ويرى أنهم محايدون، فطالما وثقوا أحداثًا وسجلوا حقائق، وأطلعوا العالم على بشاعات القصف السوري وبراميل الموت، وغير ذلك..
-         ويرى أن هذا العمل له أثر بالغ في التخفيف من معاناة الشعب المنكوب، كما أنه يساهم في تقوية ودعم أوراق مَن يفاوض عن القضية السورية أمام المجتمع الدولي.
-         ويرى أن المجتمع الدولي والهيئات الدولية لا تعترف بما ينقله الإعلام الداخلي حيث إنه محسوب على أحد الطرفين بالضرورة.
وهكذا سجال بين شرعيِّي كل فريق، كل يدعم موقفه، ويرى صواب توجُّهه.
ولاشك أن لهذه المسألة حكمها الشرعي الذي لا ينبغي أن يغيب عنا، ولها أيضًا تأثيرها الواقعي الظاهر على مجريات الأحداث، ومن هنا كان من الضروري تناول هذه المسألة من الناحية الشرعية وتأثيرها من الناحية الواقعية ..
أما من الناحية الشرعية فإن المسألة لها تعلق وثيق بمسألة الأمان، فهل الصحفيون وعمال الإغاثة مُستأمَنون، أم لا؟
وما هو الأمان وما صفته وما هي شروطه؟
الأمان لغة:
الأمان في اللغة هو عدم توقُّع مكروه في الزمن الآتي، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان مصادر للفعل (أَمِنَ) ، ويرد الأمان تارةً اسمًا للحالة التي يكون عليها الإنسان من الطمأنينة، وتارة لعقد الأمان أو صكّه.
الأمان اصطلاحًا:
وفي اصطلاح الفقهاء هو: "رفع استباحة دم الحربي ورقّه وماله حين قتاله أو الغرم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام".
أدلة الأمان:
وأصل الأمان هو قوله تعالى: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون".
وما جاء في صحيح مسلم من حديث أم هانئ رضي الله عنها حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: قد أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ.. " الحديث.
وما رواه البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "ذمةُ المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم، فَمَنْ أَخْفَرَ مسلمًا فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يقبل اللهُ منه صرفًا ولا عدلًا".
قال النووي: "المراد بالذمة هنا الأمان، ومعناه: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمَّنه به أحد من المسلمين حَرُم على غيره التعرُّض له.. " .
صفة الأمان:
الأمان ينعقد بكل لفظ صريح أو كناية يفيد الغرض، بأي لغة كان، وينعقد بالكتابة والرسالة والإشارة المُفهِمة.
شروط الأمان:
ذهب المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية إلى أن شرط الأمان انتفاء الضرر، ولو لم تظهر المصلحة.
وقيد البُلْقِينِيُّ جوازَ الأمان بمجرد انتفاء الضرر بغير الأمان المُعطَى من الإمام، فلا بد فيه من المصلحة والنظر للمسلمين.
وقال الحنفية: يشترط في الأمان أن تكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين وذلك بأن يعطى في حال ضعف المسلمين وقوة أعدائهم، لأن الجهاد فرض والأمان يتضمن تحريم القتال، فيتناقض، إلا إذا كان في حال ضعف المسلمين وقوة الكفرة، لأنه إذ ذاك يكون قتالًا معنًى، لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال، فلا يؤدي إلى التناقض.
من له حق إعطاء الأمان:
- الأمان إما أن يُعطَى من الإمام أو من آحاد المسلمين:
أ - أمان الإمام: يصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم، لأنه مقدم للنظر والمصلحة، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار. وهذا ما لا خلاف فيه.
ب - أمان آحاد المسلمين: يرى جمهور الفقهاء أن أمان آحاد المسلمين يصح لعدد محصور كأهل قرية صغيرة وحصن صغير، أما تأمين العدد الذي لا ينحصر فهو من خصائص الإمام.
وذهب الحنفية إلى أن الأمان يصح من الواحد، سواء أمَّنَ جماعةً كثيرة أو قليلة أو أهل مِصْرٍ أو قريةٍ، فليس حينئذ لأحد من المسلمين قتالهم.
شروط المُؤَمِّن:
1- الإسلام: فلا يصح أمان الكافر، وإن كان يقاتل مع المسلمين.
2 - العقل: فلا يصح أمان المجنون والصبي الذي لا يعقل.
3 - البلوغ: بلوغ المؤمِّن شرط عند جمهور الفقهاء. وقال محمد بن الحسن الشيباني: ليس بشرط.
4 - عدم الخوف من الحربيين: فلا يصح أمان المقهورين في أيدي الكفرة.
أما الذكورة فليست بشرط لصحة الأمان عند جمهور الفقهاء، فيصح أمان المرأة لأنها لا تعجز عن الوقوف على حال القوة والضعف.
وقال ابن الماجشون من المالكية: إن أمان المرأة والعبد والصبي لا يجوز ابتداء، ولكن إن وقع يمضي إن أمضاه الإمام وإن شاء رده.
 
وبعد تقرير ما سبق يجدر التنبيه على أمور يقع فيها المُخالَفة من البعض لاسيما بعض مَن يوجد في ساحات القتال والجهاد من المعاصرين حيث تقع منهم المخالفة في بعض أحكام هذه المسألة، ومنها عدم اعتبار شبهة الأمان، ورد الأمان بحجة أن مَن أعطى الأمان كافر عندهم، وغير ذلك..
فأولًا شبهة الأمان:
مما تقرر عند الفقهاء أن شبهة الأمان تقوم مقام حقيقته، وأن الأمان الفاسد يعصم دم الكافر حتى يبلغ مأمنه، وأصل ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: والله لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل بأمانه، فقتله، لقتلته به". رواه سعيد بن منصور في سننه.
قال ابن قدامة في المغني صـ 9/323:
«إن أشار المسلم إليهم بما يرونه أمانًا وقال: أردت به الأمان فهو أمان، وإن قال: لم أرد به الأمان. فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته، فإن خرج الكفار من حصنهم بناءً على هذه الإشارة، لم يجز قتلهم، ولكن يردون إلى مأمنهم. قال عمر - رضي الله عنه -: "والله لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل بأمانه، فقتله، لقتلته به" رواه سعيد وإن مات المسلم أو غاب، فإنهم يردون إلى مأمنهم، وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر، فإن قيل: فكيف صححتم الأمان بالإشارة، مع القدرة على النطق، بخلاف البيع والطلاق والعتق؟ قلنا: تغليبًا لحقن الدم، كما حقن دم من له شبهة كتاب، تغليبًا لحقن دمه، ولأن الكفار في الغالب لا يفهمون كلام المسلمين، والمسلمين لا يفهمون كلامهم، فدعت الحاجة إلى التكليم بالإشارة، بخلاف غيره"ا.هـ
فجعل رحمه الله العبرة بما يرونه أمانًا وما يظنونه ولو لم يكن كذلك على الحقيقة، فهو سبب في عصمة دمهم وردهم إلى مأمنهم.
وقال شيخ الإسلام: "ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم". ا.هـ الصارم صـ 1/287.
ومن هنا يتبين أن شبهة الأمان تقوم مقام حقيقته وأن صريحه يقوم مقام كنايته وإشارته، كما يتبين أثر اعتقاد المستأمَن الكافر في انعقاد الأمان له بما لا يجوز أمانًا عندنا، وإن ذلك -وإن قيل برده إلا أنه- يفيد في وجوب عصمة دمه ورده على مأمنه.
أمان الكافر يقاتل في صفوف المسلمين:
ومن شُبَه الأمان التي يُعصم بها دم الكافر: أن يؤمنه كافر يقاتل مع المسلمين، يظنه الكافر مسلمًا، أو علمه كافرًا إلا أنه ظن أن أمانه يصح، وعلى هذا نص الأئمة:
 قال ابن وهب في المدونة: "وقال الليث والأوزاعي في النصراني يغزو مع المسلمين قالا: لا يجوز على المسلمين أمان مشرك ويرد إلى مأمنه"،
 وقال الشافعي في الأم في باب "الأمان" : "وإذا أمَّن من دون البالغين والمعتوه قاتلوا أم لم يقاتلوا لم نُجِزْ أمانهم ، وكذلك إن أمَّن ذميٌّ قاتَل أم لم يقاتِل لم نُجِزْ أمانه ، وإن أمَّن واحد من هؤلاء فخرجوا إلينا فعلينا ردهم إلى مأمنهم ولا نعرض لهم في مال ولا نفس من قِبل أنهم ليسوا يفرقون بين مَن في عسكرنا ممن يجوز أمانه ولا يجوز وننبذ إليهم فنقاتلهم".
وإذا صح أمان الكافر الصريح يقاتل مع المسلمين، صح كذلك أمان المرتد المنتسب إلى الإسلام، فقول الشافعي رحمه الله: "إنهم ليسوا يفرقون بين من في عسكرنا ممن يجوز أمانه ولا يجوز" صريح في اعتبار اعتقادهم وأنهم لا يفرقون بين من يجوز أمانه ومن لا يجوز، وفي هذا دلالة أن مَن كفر بفعل أو قول يرتد به عن الإسلام ولم يزل منتسبًا إليه فلم يعرف كفره ولم يحكم عليه بالردة فإن أمانه معتبر فهو بحسب اعتقاد المستأمنين أمانًا في الشريعة، وهم يرونه مسلمًا منتسبًا للإسلام، فإن عرض لأحد مَن هذا شأنه فيلزمه رده إلى مأمنه وجوبًا كما قال الشافعي وغيره.
وأخيرًا:
متى يُرَدّ الأمان ولا يجوز:
ذكر العلماء أن الأمان يرد في حالتين:
الأولى: في حالة استحقاق المؤمن عقوبةً أو حدًّا.
الثانية: في حالة الضرر على المسلمين.
فإذا استحق المستأمن عقوبةً أو حدًّا لم يجز أمانه واستُوفيت عقوبتُه وحدُّه من الإمام أو نائبه.
وإذا تسبب الأمان في ضرر محقق على المسلمين كتأمين جاسوس أو مهرب أسلحة للأعداء لم يجز أيضًا هذا الأمان..
حكم أمان الصحفيين الغربيين وهيئات الإغاثة:
وعودًا على بدء فإنه يبدو جليًّا تعلق حال الصحفيين بمسألة الأمان، وأنهم في عرف الدول مستأمنون أو في حكم المستأمنين، كالرسل والسفراء، فإذا ما أضيف إلى ذلك تأمين بعض الفصائل لهم فإن الأمر يكون من الوضوح بمكان،  فإذا جاز أمان الواحد من المسلمين فكيف بفصيل مجاهد؟ فهؤلاء الصحفيون وعمال الإغاثة يجب تأمينهم وكف الأيدي عنهم شرعًا.
أما عن الحجج التي استند إليها الذين يباشرون الاعتداء على الصحفيين فبعض هذه الحجج صحيحة وبعضها غير صحيح!
1-أما قولهم إن بعض هؤلاء الصحفيين عملاء وجواسيس فهذا قد يصح، ولكن لا يمكن غلق هذه النافذة التي يطل من خلالها العالم على أحوال هذا الشعب المنكوب بهذه الحجة، لإمكان معالجة هذه الثغرة، إما بوضع الصحفيين تحت المراقبة، أو توكيل من يرافقهم ويدلهم على مواقع الحدث، إلى غير ذلك من إجراءات الوقاية، هذا فيمن يشك في حاله أنه جاسوس، أما غير هؤلاء فلا يجوز الاعتداء عليهم، ويجب تأمينهم وحمايتهم.
2-أما القول بأن المجتمع الدولي متآمر، فهذا أيضًا صحيح، ولكن ثمة فرق بين المجتمع الدولي كحكومات ونخب وبين شعوب هذه الدول، التي يعمل لها حكامها ألف حساب، وكثير من الشعوب لها تأثيرها البالغ على الحكومات وقراراتها، فوقوف هؤلاء على الحقيقية أمر في غاية الأهمية ويصب في مصلحة الثورة.
3-أما قولهم: يمكن الاعتماد على إعلام الثورة الداخلي، فهذا غير صحيح، والمجتمع الدولي لا يعتمد إلا على وكالات أنباء مُعترَف بها لديهم ولا يوثق أحداث الوقائع إلا من خلالها.
ومما يدعم موقف الفريق الذي يرى حرمة الاعتداء على الصحفيين قوله: تأملوا حدثًًا كحدث كضرب بعض القرى بالكيماوي من قِبل الطاغية بشار، وقد امتنعت عدة وسائل إعلامية من دخول المناطق المحررة وتمركزت في تركيا وفضلت جمع الأدلة عن بُعد، وبعد إعلان بعض الفصائل حماية الصحفيين، دخل صحفي واحد من التلغراف البريطانية، ولولا ذلك ما تجرَّأ أحد على الدخول!
، تأملوا هذا الحدث وتأثيره على الرأي العامّ العالمي، وما شعر به من إحراج أمام شعوبه، مما أدى إلى تغيير في أسلوب البعض في التعامل مع القضية السورية، وتأملوا كيف حرص النظام على نفيه، وكيف أن توثيق الحدث وإشاعته كان له أثر بالغ على هذا النظام المجرم على الأقل في الكف عن استخدام هذا السلاح المدمر، والذي إن أتيحت له الفرصة باستخدامه لاستطاع أن يبيد جميع المناطق المحررة بمن فيها ويحسم المعركة لصالحه في أيام قلائل.
فهل يصح أن نخرس صوت الأنين الذي ينبث من داخل الحُجَر المدمرة على رؤوس أصحابها، فيعتقل الصحفيون الذين ينقلون هذه الأحداثَ ويوثقون هذه الجرائمَ البشعة ويُثبِتونها على النظام الغاشم وزبانيته؟!
إن من البشاعة بمكان أن تأكل بعض الفصائل بدم إخوانهم، فبدلًا من أن تنقل الأحداث على حقيقتها ويتعاطف معها من يتعاطف فيساهم في رفع المعاناة عن هذا الشعب المنكوب، يأتي هذا الذي يطلب الفدية من ذوي الصحفي فيأخذ هذا المال الذي كان من المفترض أن يأتي للشعب فيأكله بحجة دعم الجهاد!
ولقد وجَّه الشيخ أسامة العثمان -حفظه الله- عضو هيئة الشام الإسلامية إلى ضرورة وضع ضوابط معتبرة لحماية الصحفيين الذين يدخلون المناطق المحررة لنقل الأحداث، واقترح فضيلته أن يكون معهم ما يثبت أنهم صحفيون تابعون لوكالة أنباء معروفة، وأن يتسلموا أوراقاً وعلامات يعرف بها أنهم مأمنون ، كما يتم تحذيرهم بأن تجاوز العمل المهني سيترتب عليه محاسبتهم، ويجب أن يكون بين الفصائل ثمة اتفاق على ذلك ..
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.