(الفرصة ذبابة)

الشيخ علي طنطاوي
الثلاثاء 11 رمضان 1438هـ - 06 يونيو 2017مـ  17:21

(الفرصة ذبابة)

الذباب والبعوض من ألدِّ الأعداء بالنسبة لجدي ! لذلك كان يرش غرفته -كل حين- بمبيد الحشرات ثم يغلقها تماماً لمدة ساعتين أو نحوها، بعد ذلك يظل الباب مغلقاً ، فإذا أردنا الدخول إلى غرفته أو الخروج منها فلا يسمح لنا بفتح الباب علىمصراعيه، إنما نفتحه بالمقدار الذي يسمح بمرور أجسادنا الصغيرة ثم نغلقه على الفور..رغم ذلك استطاعت ذبابة التسلّل -ذات يوم- إلى غرفة جدي، ثم وقفت على النافذة ، فطلب مني المسارعة إلى قتلها، فقمت بتثاقل، وأخذت أبحث عن مضرب الذباب بتكاسل، ثم مشيت ببطء حتى وصلت إلى النافذة، لأجد الذبابة قد طارت بعيداً ولم أعد أراها، و أخذت أبحث عنها و أدور هنا وهناك، لكنها اختفت في أرجاء الغرفة الكبيرة المكتظة بكتب جدي وأوراقه... عندئذ غضب مني جدي لتباطئي في تنفيذ أمر مهم بالنسبة له، و لتأخري في الاستجابة ، ولأني اضطررت بعدها لإضاعة وقت طويل ريثما عثرت على الذبابة وتمكنت من قتلها.

يومها قال لي جدي: إحفظي هذا الدرس جيدا يا ابنتي وإياك أن تنسيه: " الفرصة ذبابة"! إن فرص الحياة كفرصة قتل الذبابة تماماً، فإن تباطأت أو تلكأت خسرت كثيراً يا ابنتي ، فلا تتأخري -في المستقبل- عن أي عمل مهم، ولا تتكاسلي مرة ثانية، فإن فرص الحياة لا تنتظرك، وستضيع منك -إن لم تغتنميها- كما طارت الذبابة الآن، وستحتاجين بعدها لبذل جهد أكبر وإضاعة وقت أطول في البحث عنها من جديد، بل ربما لا تعود الفرصة أبداً.
 كان الدرس واضحاً : الذي لا يغتنم الفرصة باقتناصها فوراً ستفوته و يندم على فواتها حين لا ينفع الندم. و لم يكن المقصود أن أكون متهورة متسرعة، بل أن تكون ردود أفعالي سريعة في المواقف الواضحة التي لا تحتاج إلى إعمال فكر أو التأني لاتخاذ قرار، و أن أبادر إلى التحرك فوراً -في حالة الحاجة إلى العمل- دون تردد أو تباطئ أو تكاسل .

ذلك درس ما زلت أحفظه بكل وضوح بعد عشرين عاماً، وأحدّث عنه الصديقات والأقرباء . و هو درس يتجلّى أمام عينيّ كلما رأيت تردداً يقود إلى إضاعة فرصة أو تكاسلاً يؤدي إلى تفويت منفعة. و لطالما رأيت مواقف ازداد فيها العلاج صعوبة (حتى ليكاد يستعصي أحياناً) بسبب التأخر في التحرك الإيجابي الفاعل.. تستوي في ذلك صغائر الأمور (مثل التأخر في كنس قِطَعٍ من الزجاج المتناثر عن الأرض مما يتسبب في جرحٍ بليغٍ بقدم أحد الأطفال قد يستدعي تدخلاً جراحياً لمعالجته) و عظائمها (كالتردد و التأخر في معالجة عيب في الطبع لدى أحد الصغار -مثل الأنانية أو العدوانية- بحجة أنه طفل صغير، ثم يكبر الصغير و يكبر معه عيبه فيصبح علاجه من المستحيلات) .

من كتاب "هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي"
لحفيدته عابدة العظم