عيون السوريين على بغداد وبيروت وكابل

عيون السوريين على بغداد وبيروت وكابل
  قراءة

منذ تدخل الميليشيات الطائفية، والسوريون يدركون تمامًا أن مفتاح ثورتهم خارجي أكثر مما هو داخلي، تصاعدَ منسوب هذا الشعور مع استمرار التدخل الأجنبي لصالح النظام السوري، وتحديدًا مع التدخل الروسي متسلحًا بحق الفيتو في مجلس الأمن الدولي.

وهو ما عزّز شعور السوريين بأن مفتاح ثورتهم يكمن في وقف تدخل أجنبي إقليمي ودولي لا يوجد ما يوازيه من داعم دولي يوقف التدخل الروسي وغيره عند حدّه، ويجعل السوريين يحلّون مشكلاتهم عسكريًّا لوحدهم، بعيدًا عن الغزو والاحتلال الأجنبي للشام وأهلها.

اليوم، بعد أن انتفضت بيروت وبغداد، يرقب السوريون بشكل لحظي كل ما يجري فيهما، ويعلقون آمالًا عريضة على هذه الأحداث، إن كان من حيث الدعم المعنوي الذي تقدمه لها، إذ يؤكد على أحقية انتفاضتهم وثورتهم.

فإن كان للعراقيين واللبنانيين حق في الانتفاض على النظام الحاكم في البلدين، فللشعب السوري أضعاف ذلك من الحقوق والأسباب والمبررات، ويعتقد السوريون أنه مع امتداد واتساع وطول الانتفاضتين العراقية واللبنانية سيكون ذلك كله في صالحهم.

إذ سيجبر هذا القوات الطائفية التي تقتل السوريين على مدى عقد تقريبًا، على الانسحاب والانشغال ببلديهما، مما يتيح فرصة قد تكون ذهبية للشعب السوري لهزيمة النظام المعتمد بشكل كامل على دعم احتلالي أجنبي.

وتأتي العقوبات الأميركية على إيران، وتضييق دائرتها لتصل إلى نجل المرشد الروحي للثورة الإيرانية، لتزيد من منسوب الأمل السوري هذا.

لكن الأهم باعتقاد بعض النخب الثورية، أن ما يجري في كابُل قد لا يقلّ أهمية عما يجري في بغداد وبيروت وطهران، فأفغانستان دولة محاذية لإيران، وبالتالي ما سيحدث فيها سيلقي بتداعيات خطيرة على الوضع الإيراني بشكل مباشر، أكثر بكثير مما سيحدثه تراجع إيراني في العراق ولبنان.

وذلك نظرًا للتواصل والقرب الجغرافيين، بالإضافة إلى المرارات التاريخية بين البلدين والاقتتالات المزمنة بينهما، ولذا فإن الانسحاب الأميركي من أفغانستان سيعرّي الحكومة الأفغانية المدعومة بالأصل من قبل التحالف الأقلوي الشمالي.

إذ إنه يمثل الدولة العميقة فيها، وبالتالي لن تسمح إيران بأي شكل من الأشكال أن تملأ "طالبان" فراغ رحيل القوات الأميركية، وهو ما قد يدفع لمواجهة طالبانية شيعية، تعيد إلى الأذهان ما جرى إثر هزيمة القوات السوفييتية من أفغانستان عام 1990.

مثل هذا الواقع سيدفع إيران إلى سحب مقاتلي "لواء فاطميون" من سوريا إلى أفغانستان لقتال "طالبان" وحماية مكتسباتها فيها، فيكون بذلك الرابح والكاسب الأول والأخير الثورة الشامية.

ما نشرته "نيويورك تايمز" أخيرًا، عن قلق إيراني حقيقي من تراجع وخسارة نفوذها في كلٍّ من بيروت وبغداد وكابُل، يؤكد أن المخاوف حقيقية، لا سيما بعد المظاهرات غير المسبوقة وغير المتوقعة في كربلاء والنجف، فضلًا عن بغداد.

وما للثوري إلا أن يتمسك بوصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إن هذه الحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث"، وكذلك الثورات لا يصلح لها إلا المكيث، لاقتناص فرصة توفر عليه كثيرًا من العرق والدم.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب



تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات