ماذا تبقى من سوريا الأسد؟

ماذا تبقى من سوريا الأسد؟
  قراءة

لعله، ومن نافلة القول، أن ذاك الشعار الطنـّان الرنـّان، أي "سوريا الأسد"، الذي طالما تباهى به الأسدان، ويجتره من والاهم، ويحمل الكثير من المضامين وينم عن رؤية آل الأسد لسوريا باعتبارها ملكية خاصة مطلقة "مطوبة" باسم العائلة المالكة، ورغم استمرار اجتراره وترويجه كيديًّا واستفزازيًّا ونوستالجيًّا من قِبَل كثيرين، فقد وليّ إلى غير رجعة، وخسر تلك "الرهجة" التي كان عليها أيام العز والقوة والصولجان والبأس حين كان النظام ينظر لنفسه كمالك حصري لا شريك له لسوريا ووصيًّا متحكمًا بكل سوري وحين كان "يشيل ويحط"، وله صولة وجولة داخل سوريا وفي بعض دول الإقليم.

وصحيح أن النظام ما زال قادرًا على البطش والفتك بالسوريين وممارسة سياسة الوصاية والهيمنة و"السلبطة" والبلطجة والزج بهم في غياهب المعتقلات والسجون وإخفائهم من على وجه الأرض دون أن يرف له جفن وما زال يتصرف بسوريا والسوريين كقوة احتلال مجردة من أية شرعية، وأنه ما زال مستعدًا لإصدار أشرس القوانين "قراقوشية" وظلمًا كما فعل بالتعديل الأخير على قانون خدمة العلم حيث صار بإمكانه مصادرة ممتلكات وأموال و"شقاء عمر" أية أسرة سورية هاجر ابنها طلبًا للقمة العيش أو منّ الله عليه بعمل خارج مزرعة الجوع والقهر والذل، بحجة تخلفه عن الخدمة العسكرية أي خدمة آل الأسد والموت من أجل أن يرث سوريا حافظ بشار الأسد، فكل سوريا باتت اليوم مستباحة من أجل هذا الهدف الاستراتيجي "المقدّس النبيل"، وهناك الكثير من مما يضيق ذكره عن استفراد آل الأسد بالسوريين داخل سوريا من خلال مصفوفة فاشية من الممارسات الشنيعة والمخزية والتي ستلطخ جبين هذه العصابة للأبد، لكن الصحيح أيضًا أن هناك الآن سوريا أخرى، مختلفة تمامًا عن تلك التي يديرها مختار حي المهاجرين، إنها سوريا الممزقة، والمحطمة، والمقسمة، والموزعة بين عشرات الاحتلالات الأجنبية والمحلية (أي أماكن سيطرة الفصائل المسلحة)، وقد باتت كقطعة "كعكة" يتناهشها الروسي، والأمريكي، والتركي، والفرنسي، والبريطاني، والإيراني وربما لا نستثني أيضا الشقيق العربي وووو وبات قرارها الفعلي والحقيقي بيد لاعبين خارجين يتقاذفونها ككرة…

ومن هنا فقد آن الأوان كي نبدأ بالتفكير بطريقة مختلفة تمامًا عندما نكتب أو نحلل أو ننظر إلى الوضع السوري الآن، مشكلة الكثير من السوريين أنهم مازالوا ينظرون إلى سوريا النظرة القديمة، أي قبل اندلاع الأحداث عام 2011. نعم سوريا ما قبل ذلك التاريخ لم تعد موجودة على الأرض، انتهت، وإذا ما زالت موجودة في أذهان السوريين الحالمين، فلا بأس كذكرى، لكن على أرض الواقع هناك سوريا جديدة، ليس مجتمعيًا فحسب، بل ككيان سياسي، لم يفعل كلاب العالم وضباعه في الداخل والخارج بسوريا القديمة كل ما فعلوا كي يعيدوها إلى عهدها السابق، لا مطلقًا، كل ما حدث في سوريا من تخريب وتدمير وتهجير وترويع كان هدفه إنتاج سوريا جديدة تناسب وتلائم الذين خططوا لكل هذا الدمار والخراب والتهجير المنظم، مغفل من يعتقد أن ضباع العالم فعلوا كل ما فعلوا بسوريا كي يأتوا ويقولوا بعد كل ذلك: تعالوا نعيد سوريا إلى وضعها القديم، لا مطلقًا، انسوا.

ما زال الكثير من المعارضين يصبون جام غضبهم على النظام ورئيسه بشار الأسد، وهذا خطأ تحليلي وسياسي كبير لا يقترفه سوى المغفلين الذين ما زالوا يتعاملون مع سوريا التي كانت، لا نحاول هنا تبرئة النظام مما حل بسوريا والسوريين، لا أبدًا فهذا سيدونه التاريخ بكل تفاصيله المملة في عصر التواصل الاجتماعي، لكن لندع ما للتاريخ للتاريخ، وما للحاضر والمستقبل للحاضر والمستقبل، اليوم نحن لدينا واقع جديد رفضناه أم قبلناه، يجب أن نتعامل معه، وإلا فكنا خارج السياق التاريخي، اليوم لم يعد هناك ذلك النظام الذي كان يحكم قبضته على سوريا بكل تفاصيلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحياتية، هذا النظام صار من الماضي، لا بل إن بعض المحللين السوريين يرون أن الثورات العربية فشلت في إسقاط الكثير من الأنظمة، بينما الثورة السورية هي الوحيدة التي نجحت في إسقاط النظام، بغض النظر عن النتائج الكارثية، النظام الذي كان يحكم سوريا قبل الثورة قد انتهى، وتحول إلى مجرد أداة في أيدي القوى التي ادعت إنقاذه، لهذا من العبث أن يتفاخر مؤيدو النظام بأن نظامهم قد صمد وانتصر، على العكس تمامًا، فإن نظام الأسد بالإضافة إلى نظام القذافي في ليبيا هما النظامان الوحيدان اللذان تبخرا من الساحة العربية.

قد يقول البعض إن النظام مازال موجودًا بجيشه وأمنه وعقليته القديمة، وهذا صحيح، لكن هل ما زال هذا النظام سيد نفسه كي نعامله وننظر إليه بالطريقة القديمة؟ بالطبع لا، نحن الآن نتعامل مع قوى جديدة تتحكم بسوريا وبنظامها القديم، الذي صار كفصائل المعارضة السورية مجرد أداة في أيدي مشغليه وداعميه، وعندما يقول وزير الخارجية الروسي وفصائل إيرانية كثيرة إن النظام كان على وشك السقوط لولا التدخل الروسي والإيراني، فهذا ليس للاستهلاك الإعلامي مطلقًا، بل هو تعبير عن الواقع الجديد، الروس تحديدًا من خلال تصريحاتهم الإذلالية المتكررة للنظام ورئيسه يريدون أن يقولوا للنظام وللسوريين: نحن أسياد الساحة السورية الآن، نحن حكام سوريا الجدد بصفة احتلالية أو استعمارية ولولانا أصلًا لما بقي هناك سوريا ولا نظام، وهذا من الناحية العملية صحيح، بغض النظر عن الفظائع التي اقترفها الروس بحق السوريين من أجل الوصول إلى هنا.

لا شك أن النظام ما زال يصدر القوانين عبر مجلس الشعب، وما زال يتحكم بحياة السوريين إلى حد ما، لكن بالمجمل لم تعد سوريا رهن إشارته، وقد بات الكثير من المناطق بما فيها التي لم تثر على النظام خارج السيطرة عمليًّا، وإذا ما عادت تلك المناطق إلى تحت السيطرة، فستكون تحت هيمنة الروسي أو الإيراني أو التركي أو الإسرائيلي أو الأمريكي حسبما توضح خرائط توزيع النفوذ في سوريا "الجديدة".

وبالتالي، صارت قوى المعارضة سواء اعترفنا بها أو لم نعترف، صارت تتعامل مع كفلاء النظام، وليس مع النظام نفسه، في تحديد مستقبل البلاد، وقد كانت كل المؤتمرات التي تبحث مستقبل سوريا تحت إشراف الروس أولًا والإيرانيين والأتراك ثانيًا والراعي الأمريكي والإسرائيلي بشكل عام، وعلينا ألا نتجاوز هذه الجزئية مطلقاً، فمؤتمرات أستانا وسوتشي وضعت سوريا النظام والوطن والمعارضة تحت الوصاية الخارجية، وصار النظام مجرد طرطور مثله مثل المعارضة.

وبمجرد اختيار أعضاء اللجنة الدستورية بالتساوي من المعارضة والنظام مؤشر على أن النظام لم يعد حاكماً، فلو كان منتصرًا وحاكمًا فعلًا لما قبل بهذه القسمة مع المعارضة المهزومة، لكنه هو نفسه مهزوم بشهادة الروس أنفسهم الذين ذكرّوه أكثر من مرة بأنهم أنقذوه من الغرق، وهم سيقبضون الثمن بالتحكم بالبلاد والعباد، وعندما نسمع أن السوريين باتوا يشتكون على النظام للروسي في مناطق عدة، ثم يقوم الروسي بمعاقبة عناصر النظام، فهذا ليس مؤشرًا بسيطًا، بل هو تجسيد فعلي للواقع السوري الجديد الذي بات فيه النظام مجرد تابع للروس والإيرانيين، ولا ننسى أن الجيش والأمن السوريين باتا مجرد أدوات في أيدي الروس والإيرانيين، وهل ننسى أن أشهر فصيل سوري وهو "النمر" بات خاضعًا للجيش الروسي وليس لمعلمه الأصلي الأسد، وقد رفض سهيل الحسن "الروسي" تأدية التحية لبشار عندما زار إدلب، لقد صار ولاء أهم مؤسستين سوريتين موزعًا بين الحكام الجدد لسوريا الروس والإيرانيين، طبعًا بمباركة أمريكية وإسرائيلية.

وعلى ضوء هذه التحولات الرهيبة في البنية السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية في سوريا، يجب التوقف تمامًا عن التفكير بالعقلية القديمة: نظام ومعارضة، لم يعد هناك نظام ولا معارضة، والجميع صاروا بأيدي داعميهم الروسي والإيراني بالنسبة للنظام والتركي والأمريكي بالنسبة للمعارضة. وبالتالي على السوريين المعارضين، أن يتوقفوا عن استهداف النظام إعلاميًا، وخاصة عبر مواقع التواصل، لأن النظام لم يعد سيدًا، وصار في محل مفعول به، ولا بد من الآن فصاعدًا التعامل مع واقع جديد بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معه، سوريا الآن تحت الوصاية بمباركة دولية، وكل من ينكر هذا الواقع الجديد فهو مكابر، ومهما أردتم أن تفعلوا يجب أن تضعوا في اعتباركم هذا الواقع الجديد وأن تتوقفوا عن جلد النظام، فهو لم يعد موجودًا إلا بالاسم، ونُقل عن أحدهم أن الروس يبلـّغونه التعليمات والأوامر أو نتائج سلسلة "الأساتانات" الممتعة عبر البريد الإلكتروني، وأما تعليمات وأوامر المرشد فتصل عبر رئيس قسم المبيعات بشركة صنع غزل البنات والمعمول بالجوز بطهران الذي يذهب بمهمة لمقابلة الأسد الذي ينصاع وينفذ الأوامر والتعليمات…

لقد انكمشت وتقلصت سلطات الأسد جدًا وباتت تنحصر في مواضيع واهتمامات لا علاقة لها بمقام رئاسة ومهام دولة وعمل استراتيجي مجد، وربما باتت "شغلة" الأخ اليوم وسلطاته تتجلى في متابعة وشحشطة وجرجرة بعض النشطاء إلى الفروع الأمنية وقراءة البوستات المتمردة والتعليقات عليها ومن من السوريين تحت سلطته الفرعونية وضع "لايكا" على بوست مشبوه ومتآمر، كما بالنسبة لمجالدة ومماحكة ومتابعة "المتعيشة" والمياومين والجياع عبر دوريات البلدية التي تطاردهم وتعتقلهم وتصادر أكياس "الخيش" التي يحملون بها بضاعتهم، في أماكن سيطرة النظام والإشراف على توزيع "جرات" الغاز وكتابة قوائم بأسماء المستحقين وتنظيم دورهم والموافقة على جداول قطع الكهرباء والتقنين وأظلمة سوريا المنظم، ومراقبة أصحاب بسطات النعنع والسلق والجرجير البلدي وإصدار الفرمانات القراقوشية التي تجلد ظهور الفقراء والجياع تحت الحصار وتشليحهم ونهبهم كما في قانون خدمة العلم الجديد: "ادفع ما فوقك وتحتك أو الموت من أجل بقاء الأسد"، هذا هو اليوم، وسواه من الصغائر والتوافه هي ما يقوم بها الممانع والمقاوم وقاهر الإمبريالية والصهيونية.

هذه هي سوريا الجديدة سواء قبلناها أو رفضناها. رتبوا تفكيركم وتحركاتكم ومشاريعكم (إذا كان لديكم مشاريع طبعًا) بناء على هذا الواقع المرير. ثار السوريون للتخلص من المحتل الداخلي فوقعوا تحت احتلالات خارجية متعددة، للأسف مثلهم مثل الليبيين واليمنيين والعراقيين. سقط الوكيل فجاء الكفيل.

نعم ربما لم يتبق من "سوريا الأسد" على أرض الواقع، في ظل متغيرات بنيوية وجيو-استراتيجية عميقة، سوى إعلان الدفن والترحم على تلكم الأيام، كما لم يتبق إلا ذاك الشعار الأجوف الهزيل الذي يتناهى لمسامع "الطرطور" بين فينة وأخرى في وسائل إعلامه المملوكة للعائلة الأسدية وحاشيتها وعصاباتها، وحسبه هذا المجد والفخار وألف مبروك على هذا الإنجاز.

بقلم: 
فيصل القاسم
المصدر: 
القدس العربي







تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات