اغتيال قاسم سليماني وتأجيج الصراع في الشرق الأوسط

اغتيال قاسم سليماني وتأجيج الصراع في الشرق الأوسط
  قراءة

تمت عملية اغتيال قاسم سليماني، يوم الجمعة الماضي، على رأس مجموعة من قيادات الميليشيات الإيرانية العراقية، عبر استهدافهم بطائرة مسيرة في بغداد، حيث يعتبر "سليماني" قائد "فيلق القدس" الإيراني الوجه الأبرز لذراع إيران العابث في دول الجوار العربي، ومحرك عمليات القتل والإجرام في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقد ظهر مرارًا متباهيًا مزهوًا بانتصارات عصاباته وسيطرته على العواصم العربية بعد سلسلة طويلة من عمليات القتل والتدمير لتلك الدول،  بالتعاون مع الميليشيات الطائفية الممتدة في تلك البلدان كخط أول للنفوذ التخريبي الإيراني.

فبينما استمرت أنشطة إيران التخريبية في المنطقة لسنوات بسبب غض الطرف العالمي (وخاصة الأمريكي الإسرائيلي) عن تلك الجرائم، فقد حان الوقت لقطع تلك الذراع بعد اصطدامها بالمصالح الأمريكية.

فتبعًا لمصالحها يمكن لأمريكا أن تسمح بأي انتهاك طالما لا يمس مصالحها وجنودها ودبلوماسييها بشكل مباشر، حتى وإن كانت تلك الجهات مصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية والأوروبية.

هلال إيران الشيعي على أنقاض دول العرب ودماء شعوبهم

منذ سنوات، وتحديدًا بعد احتلال العراق عام 2003 قامت إيران وميليشياتها العربية بفظائع ومجازر على خلفية طائفية بحتة بهدف السيطرة على تلك الدول التي تتواجد فيها تلك القطعان الطائفية، وتمكنت فعلًا من بسط سيطرتها الكاملة على العراق ومقدراته وقراره السياسي وحولته لمحافظة إيرانية من خلال أشخاص تم تنصيبهم برضاها ومباركتها ليكونوا أدوات تنفيذ سياستها التخريبية وأهمها تقسيم المجتمعات العربية على أسس طائفية متصارعة ليسهل السيطرة عليها إيرانيًّا، وقد تم لها ذلك في دول الصراع الأربع ورسمت بالدماء والأشلاء هلالها الشيعي الممتد من طهران إلى بيروت ، كما أوجدت شرخًا وتوترًا وصراعًا لا يهدأ في اليمن بواسطة عملائها الحوثيين لغرض استنزاف دول الخليج في مواجهتهم.

لماذا الاغتيال الآن بعد طول انتظار؟

كانت الولايات المتحدة تكتفي بمراقبة أنشطة إيران التدميرية في دول جوارها غير آبهة بما تفعله لأن ذلك يصب في النهاية في مصلحتها ويخدم استراتيجيتها بعيدة المدى فإضعاف جوار إسرائيل وشل حركته أمام أي اعتداء مستقبلي يشكل هدفًا أعلى في السياسة الأمريكية، وقد تم لها ذلك.

إضافة لأهمية الصراع في تنشيط سوق السلاح الأمريكي، لذا غضت الطرف عن سياسات إيران كونها محركًا لتلك الصراعات، لكن اعتقاد إيران بأنها المسيطر الأوحد والأقوى جعلها تتجرأ وتستفز أمريكا في أكثر من مناسبة وموضع ما أثار حفيظتها عليها فلا يمكن لها أن تقبل أي تحدٍ أو إضرارٍ بمصالحها من أي كان وهذا خطها الأحمر الوحيد  الذي لا يسمح بتجاوزه وهذا ما أوقع إيران في عين العاصفة الأمريكية.

وقد جاء الاغتيال كما ذكر بعض أركان الإدارة الأمريكية لمنع سليماني وتوابعه من استهداف جنود ودبلوماسيين ومصالح أمريكية، حيث كانوا يخططون لذلك، إضافة إلى أسباب داخلية أمريكية تتعلق بالانتخابات القادمة ومحاولة عزل "ترامب" نفسه.

ماذا بعد الاغتيال؟؟

لقد كانت عملية الاغتيال وما تلاها بمثابة عود ثقاب ألقي في مستودع ديناميت كما وصفه أحد أعضاء الإدارة الأمريكية.

فيمكن لهذا الاستهداف أن يشعل مواجهة واسعة في المنطقة، ويحدث عملية استقطاب واصطفاف بين مختلف الفرقاء، وكل هذا يتوقف بالطبع على قرار إيران في المواجهة أو الإذعان كعادتها عندما تصل إلى عنق الزجاجة.

إن إيران تعلم حجمها وقدرتها جيدًا في مواجهة أمريكا وإسرائيل وتدرك تمامًا أنها لا تستطيع تحمل حرب مفتوحة مباشرة رغم صوتها المرتفع الذي يدل على الضعف والخوف أكثر مما يدل على القوة، وأن جل ما يمكنها فعله هجمات محدودة غير مباشرة عبر وكلائها وميليشياتها لحفظ ماء وجهها المراق.

تداعيات المواجهة إن حدثت على النظام السوري

لطالما استمد النظام إكسير حياته وبقائه من التدخل الإيراني المباشر وقيادة المعارك والسيطرة على الأرض، فأي إضعاف لهذا الحليف سيشكل فراغًا قد لا تستطيع روسيا بمفردها ملأه حاليًا وسيضعفه فيما بقي من مواجهات في الشمال أو ماقد يستجد في مناطق أخرى تتحفز للانتفاض بوجهه مجددًا،  وسيزيد من وهنه ميدانيًا، رغم أنه قد يخلصه من السيطرة الإيرانية على قراره ومفاصل حكمه.

لكن بالمحصلة فإن أي خسارة تلحق بإيران تعتبر حالة ايجابية ومكسبًا مهمًّا في مسيرة التغيير.

بقلم: 
محمود القداح







تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات