كيف يعيش الشمال السوري المحرّر (1-4)

كيف يعيش الشمال السوري المحرّر (1-4)
  قراءة

الشيء الوحيد الذي نجحت فيه الاحتلالات القديمة والجديدة هو تدمير وتفتيت النسيج المجتمعي الذي حكم لقرون ماضية البلاد المستهدفة بالاحتلال، حدث هذا في العصر الحديث بأفغانستان يوم غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان عام 1979، فقضى على العقد الاجتماعي الذي توافق عليه الأفغان لقرون، وسقطت اللا مركزية الأفغانية، وتحطم النسيج القبلي ليحل محله النسيج الحزبي والجماعاتي، وخرج الجن من قمقمه، أو كما قالت العرب قديمًا: "خرج السهم من قوسه"، فاستحالت إعادته، واليوم يتأكد هذا من جديد، حيث تمكن الاستبداد الطائفي ومعه الاحتلالات المتعددة في العراق وسوريا وغيرهما، من خلخلة المعادلة الناظمة والحاكمة، فانتهت صلاحيات تلك المعادلة وفرض الشعب بثوراته معادلة حكم جديدة، لا يمكن العودة إلى من انتهت صلاحيته، ويأبى العالم حتى الآن التعاطي مع تلك المعادلة الجديدة التي ارتضاها الشعب، لمخالفتها ومعارضتها لأصحاب المصالح جميعًا باستثناء مصالح الشعب وذوي العلاقة المباشرة، على الرغم من دفعه ثمنًا باهظًا لها دماء ودمارًا وتشريدًا.

تلك مقدمة مهمة لفهم وإدراك مغزى ما يجري في الشمال السوري المحرر، حيث يقطن خمسة ملايين إنسان تقريبًا، فرّوا من مناطق النظام السوري المدعومة من احتلالات متعددة، وهؤلاء الخمسة ملايين إنما قدموا من محافظات سوريا المتعددة، فشكّلوا بذلك سوريا المصغرة التي أرادت الحرية بعيدًا عن عصابة حاكمة بالحديد والنار لعقود، مدعومة من احتلالات الأرض المتعددة بمساندة أسلحة دمار شامل وصواريخ بالستية وبراميل متفجرة، وصمت عالمي غير مسبوق، هدفها قهر الشعب السوري وإعادته لسابق عهده من الذل والعبودية.

لا تزال تركيا بحدودها التي تتشاطرها والشعب السوري لأكثر من 900 كم تشكّل النافذة الوحيدة لمن انتفض وأصرّ على حريته من الشعب السوري، الذي يقطن في هذه المنطقة الجغرافية الغنية بمواردها الزراعية، بحيث أصبحت شبه مكتفية ذاتيًّا، باستثناء المواد غير الزراعية، بعد أن فضّلت الحياة البسيطة والمتقشفة، مدعومة بعشق الحرية والاستقلال على غيرها من حياة العبودية والاحتلال، وجاء ذلك بعد أن تخلت دول العالم عن الشعب السوري، وأسلمته لعصابات طائفية وقوى دولية محتلة غاصبة.

في هذه الحلقات، نحاول تسليط الضوء على طبيعة الحياة في هذه البقعة الجغرافية التي تسمى بدرع الثورة، وبقية المحرر السوري، الذي يصرّ على المقاومة على الرغم من الأكلاف الرهيبة اليومية واللحظية التي يدفعها المواطن العادي في مواجهة حملة بربرية همجية تستهدف كل شيء، الحجر قبل الشجر والبشر، وسنتحدث في الحلقات المقبلة عن طبيعة القوى العسكرية والسياسية والاجتماعية الموجودة على الأرض، لنعرج بعدها على طبيعة الحياة المعيشية التي يعيشها خمسة ملايين إنسان بعيدة كل البعد عن التواصل العالمي والدولي، ثم سنتحدث عن آفاق هذا الكيان الذي تميز بشكل واضح بجيناته الموحدة، جينات الثورة والتوافق السني، مع وجود نقاط درزية ومسيحية تعيش بانسجام ووئام وتوافق مع هوية المحرر.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب



تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات