خرْق السفينة الأسدية

خرْق السفينة الأسدية
  قراءة

الخلاف الذي برز للسطح أخيرًا بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليس من طبيعة نظام السلالة الأسدية، التي عرفت بالغموض والتستر على بعضهم بعضًا، ولعل ما حصل في عام 1984 بين حافظ الأسد ورفعت دليل يمكن الرجوع إليه، إذ بعد أن تدخلت الأم ناعسة في حسم الصراع لصالح حافظ، تمت مغادرة رفعت الذي صمت تمامًا فيما بعد، ولم يتحدث عن الخلاف، على الرغم من محاولات البعض أن يفتح تلك الدفاتر، ولكنه رفض، اليوم الحالة مختلفة تمامًا، وخلافها من عدة أوجه.

لعل أهم وجه لها هو أن عائلة مخلوف ترى نفسها أرفع اجتماعيًا من عائلة الأسد، وهو ما تجلى برفض آل مخلوف بالبداية تزويج أنيسة لحافظ الأسد، لولا تدخل عدة جهات علوية نافذة يومها، وباعتقادي فإن هذه النظرة العُلوية الفوقية من عائلة مخلوف، على الرغم من تحكّم آل الأسد بالسلطة السياسية ظلت ترافقهم وتلاحقهم، ومع وفاة الأم غدا آل مخلوف على ما يبدو عراة سياسياً، ومكشوفين أمام السلطة الأسدية.

الوجه الآخر وهو أن تغلغل رامي مخلوف بالحياة الاجتماعية السورية لا يقارن بتغلغل رفعت الأسد الذي كان نفوذه يقتصر على الحيز العسكري، ويُضعف سلطته وسطوته شخصية طاغية مثل حافظ الأسد داخليًا وخارجيًا، وبالتالي لا يستطيع مثل رفعت أن يقوى على منافستها، أما في حالة رامي مخلوف الذي استشرى نفوذه في الاقتصاد السوري حتى قدّرته أوساط غربية بأنه يسيطر على 60% من الاقتصاد السوري، فهذا التأثير اجتماعي ونفوذ وسط طبقة واسعة منتفعة، بينهم على الأقل 6500 ضابط في المخابرات والجيش، مما يعني أنه قادر على إحداث بلبلة ليست قليلة، وهو الذي لوّح بها بشكل مبطن في شريطه الثاني، وهو تهديد دفع بعض رجال الطائفة العلوية إلى التحذير منه، مما أكسبه وزنًا.

الوجه الثالث هو أن الواقع السوري اليوم ليس كالواقع أيام رفعت وحافظ، فقد كان الأخير لا يسيطر على الدولة فقط، وإنما يمتد نفوذه إلى دول الجوار، أما اليوم فنحن نرى سلطة بشار لا تتعدى قصر المهاجرين، ونرى كيف يعتمد على احتلالات متعددة الجنسيات للبقاء في السلطة، وبالتالي صورته علويًا وداخليًا وخارجيًا مهتزة، فكيف وقد وضع رأسه على طاولة المساومات والبيع والشراء بين اللاعبين الداخليين والخارجيين، في ظل الشرشحة الإعلامية الروسية له إن كان على مستوى إعلام روسي أو على مستوى مراكز دراسات وبحثية مقربة من صانع القرار هناك.

الانهيار الاقتصادي الذي يعانيه النظام السوري، والذي تجلّى في أن الليرة السورية هوت إلى 1450 ليرة للدولار الواحد، بعد أن كانت بخمسين ليرة للدولار بداية الثورة، زاد الوضع سوءًا عرض بشار أصول الدولة السورية للبيع، والرئة اللبنانية التي كان يتنفس منها اقتصاديًا اختنقت، وقدّر حاكم البنك المركزي اللبناني خسارة الاقتصاد اللبناني 81 مليار دولار بسبب الأحداث في سوريا، كل هذا جعل الواقع الاقتصادي ينذر بثورة جياع حقيقية برزت من خلال مظاهرات في معقل النظام نفسه باللاذقية، أما على صعيد الوضع العسكري فليس بقادر على حسم وضع مثل حوران ودرعا التي كانت موسكو قد أمّنت له اتفاقًا مع الفصائل المعارضة فيها، ولكن ها هي تعود وكأنها أيام بداية الثورة، يُضاف إلى ذلك كله التسريبات الروسية والتلميحات الأميركية والإسرائيلية عن قرب رحيل الأسد، وهو ما يدفع المقربين منه إلى التفكير جديًا بالقفز من السفينة، بعد أن اتسع الخرق على الراقع طوال السنوات التسع الماضية.

بقلم: 
د. أحمد موفق زيدان
المصدر: 
صحيفة العرب










تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات